بصائر

الْوَحْيُ يَحْكُم، وَالصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُون

يَا مَنْ يَزْعُمُ نُصْرَةَ السُّنَّةِ وَيَسْتَثْقِلُ ذِكْرَ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّة: لَا نَبْدَأُ مَعَكَ بِخُصُومَةٍ سِيَاسِيَّة، وَلَا نُحَاكِمُكَ إِلَى دِيوَانِ الْمُلُوك؛ بَلْ نَبْدَأُ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ رَدَّه: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّه، وَحَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن. فَإِنْ سَلَّمْتَ لَهَا عَرَفْتَ أَنَّ النَّصْبَ هَدْمٌ لِلدِّين، وَإِنْ رَدَدْتَهَا فَقَدْ خَاصَمْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُخَاصِمَنَا!

37 نقلًا37 مصدرًا

هَذَا الْبَابُ مِيزَانٌ مَنْصُوبٌ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ طَالِبِ حَقّ: يَبْدَأُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتِ فِي أَصَحِّ دَوَاوِينِ الْإِسْلَام، ثُمَّ يَثْنِي بِشَهَادَاتِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَسَائِرِ الصَّحَابَة، ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ حَجَر.

وَتَحْتَ كُلِّ نَصٍّ «بَيَان»؛ يَكْشِفُ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَيُحَطِّمُ الشُّبْهَةَ الْمُعَاصِرَةَ الَّتِي يَنْفُثُهَا أَدْعِيَاءُ التَّارِيخِ كَصَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَأَضْرَابِهِمْ، لِيَعْلَمَ الْقَارِئُ أَنَّ مَعْرَكَةَ النَّوَاصِبِ الْجُدُدِ لَيْسَتْ مَعَ الرَّافِضَةِ، بَلْ هِيَ مَعَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَمَعَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة!

وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ «مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِفَضَائِلِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَا نَطَقَ بِهِ فَمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم».

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

البيانقِفْ خَاشِعًا أَمَامَ هَذَا النَّصِّ الْإِلَهِيِّ الْبَاهِر: إِرَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَكَرَامَةٌ رَبَّانِيَّةٌ اخْتَصَّ اللَّهُ بِهَا بَيْتَ النُّبُوَّةِ الطَّاهِرَ؛ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّاتِي جَاءَ السِّيَاقُ فِيهِنَّ ابْتِدَاءً، وَقَرَابَتَهُ الَّذِينَ جَلَّلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكِسَاءِ (عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ) كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا!

تَأَمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ الْوَحْيُ بَيْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ فِي مِشْكَاةِ التَّطْهِير؛ فَجَاءَ الرَّافِضِيُّ فَأَخْرَجَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِه، وَجَاءَ النَّاصِبِيُّ الْجَدِيدُ فَطَعَنَ فِي حَدِيثِ الْكِسَاءِ وَاسْتَثْقَلَ دُخُولَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَيْنِ فِي الْآيَة، وَمَا عَلِمَ الْفَرِيقَانِ أَنَّ مَنْ شَطَرَ بَيْتَ النُّبُوَّةِ نِصْفَيْنِ فَقَدْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ!

وَمِنْ أَعْجَبِ دَلَائِلِ الْإِنْصَافِ السُّنِّيِّ أَنَّ رَاوِيَةَ حَدِيثِ الْكِسَاءِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ هِيَ الصِّدِّيقَةُ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ فَبِأَيِّ وَجْهٍ يَزْعُمُ صَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ أَنَّ أَحَادِيثَ فَضَائِلِ أَهْلِ الْكِسَاءِ مِنْ وَضْعِ الْكُوفِيِّينَ أَوِ الْعَبَّاسِيِّينَ؟!

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.

البياناتَّفَقَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؛ سَوَاءٌ فُسِّرَتْ بِتَذْكِيرِ قُرَيْشٍ بِأَوَاصِرِ الرَّحِمِ الَّتِي تَجْمَعُهُمْ بِهِ فِي كُلِّ بَطْنٍ مِنْ بُطُونِهَا كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَمْ بِوَصِيَّةِ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً بِمَوَدَّةِ ذَوِي قُرْبَاهُ وَإِكْرَامِهِمْ كَمَا قَرَّرَهُ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ؛ فَالْمَعْنَيَانِ حَقٌّ مُتَلَازِمَانِ لَا يَتَعَارَضَان!

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَلِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأُمَّةِ مِنَ الْحَقِّ مَا لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، وَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ سَائِرُ بُطُونِ قُرَيْش»؛ فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ يَسْخَرُ مِنْ مَحَبَّةِ آلِ الْبَيْتِ أَوْ يَسِمُ مَنْ يَذْكُرُ فَضَائِلَهُمْ بِـ«التَّشَيُّعِ الْعَاطِفِيّ» كَمَا يَفْعَلُ الدُّلَيْمِيُّ وَالْعَظْمَةُ، فَقَدْ جَحَدَ حَقًّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُه!

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

البيانتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ قِسْمًا ثَالِثًا لَا رَابِعَ لَهُمْ فِي الْإِيمَان: هُمُ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلسَّابِقِينَ جَمِيعًا، وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ طَهَارَةَ قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلِّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ!

وَمِنْ بَدَائِعِ اسْتِنْبَاطِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَيْسَ لَهُ فِي الْفَيْءِ حَقٌّ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْآيَة، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ! فَالرَّافِضِيُّ وَالنَّاصِبِيُّ شَرِيكَانِ فِي خَسَارَةِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَلَأَ قَلْبَهُ غِلًّا لِطَائِفَةٍ مِنْ سَادَاتِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار!

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

البيانهَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ هِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَتَحَطَّمُ عَلَيْهَا أَضَالِيلُ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالنَّوَاصِبِ جَمِيعًا فِي قِرَاءَةِ أَحْدَاثِ الْجَمَلِ وَصِفِّين!

أَوَّلًا: سَمَّى اللَّهُ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ «مُؤْمِنِينَ»، وَقَالَ بَعْدَهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ فَبَطَلَ تَكْفِيرُ الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ لِلصَّحَابَة، وَبَطَلَ تَخْوِينُ النَّوَاصِبِ لِجَيْشِ عَلِيٍّ أَوْ جَيْشِ الشَّام. وَثَانِيًا: أَثْبَتَ اللَّهُ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ تَكُونُ «بَاغِيَةً» مَعَ بَقَائِهَا فِي دَائِرَةِ الْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّة؛ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَيَّنَ الطَّائِفَةَ الْبَاغِيَةَ فِي صِفِّينَ بِقَوْلِهِ الْمُتَوَاتِر: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَة»! فَمَنْ أَنْكَرَ بَغْيَ مُقَاتِلِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ جَعَلَ عَلِيًّا هُوَ الْبَاغِي كَمَا يَزْعُمُ وِسَام الْعَظْمَة، فَقَدْ رَدَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ مَعًا!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي».

البيانثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُكَرِّرُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوَدِّعُ أُمَّتَهُ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ خُمّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»! وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِأَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، لَا فِي كُتُبِ الْقُصَّاصِ وَلَا فِي دَوَاوِينِ الرَّافِضَة!

تَأَمَّلِ الْفَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ زِيَادَاتِ الْغُلَاةِ: فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالِاسْتِمْسَاكِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَحْدَهُ مَصْدَرًا لِلْهُدَى وَالتَّشْرِيع، ثُمَّ أَوْصَى بِأَهْلِ بَيْتِهِ تَذْكِيرًا بِاللَّهِ فِي حِفْظِ حَقِّهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُمْ! فَأَهْلُ السُّنَّةِ عَمِلُوا بِالثَّقَلَيْنِ مَعًا: اتَّبَعُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَحَفِظُوا وَصِيَّةَ نَبِيِّهِمْ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، بَيْنَمَا جَاءَ النَّوَاصِبُ الْجُدُدُ فَخَانُوا الْوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ وَسَلَّطُوا أَلْسِنَتَهُمْ عَلَى سَادَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ طَعْنًا وَتَشْكِيكًا!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ».

البيانهَذَا مِسْبَارُ الْقُلُوبِ النَّبَوِيُّ الَّذِي كَانَ الصَّحَابَةُ يَمْتَحِنُونَ بِهِ السَّرَائِرَ؛ قَالَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: «مَا كُنَّا نَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب»!

وَالْآنَ ضَعْ هَذَا الْعَهْدَ النَّبَوِيَّ القَاطِعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَمَامَ قَوْلِ طَهَ الدُّلَيْمِيّ المسجَّل بصوته: «إن ظهور أناس يشتمون عليًّا رضي الله عنه اليوم علامة على بداية التصحيح!»؛ أَيُّ تَصْحِيحٍ هَذَا الَّذِي تَكُونُ عَلَامَتُهُ ظُهُورَ آيَةِ النِّفَاقِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا بِنَصِّ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟! إِنَّهُ وَاللَّهِ لَيْسَ تَصْحِيحًا لِلسُّنَّةِ، بَلْ فَضِيحَةٌ لِسَرِيرَةِ مَنِ اسْتَحْسَنَ شَتْمَ وَلِيِّ اللَّهِ وَخَلِيفَةِ رَسُولِهِ!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟»... فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ.

البيانشَهَادَةٌ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ عَلَى لِسَانِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ فِي مَشْهَدٍ حَضَرَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ جَمِيعًا: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»! حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِم: «مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، تَطَاوَلْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا»؛ طَمَعًا فِي الفَوْزِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ العُظْمَى بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ!

فَيَا مَنْ يَطْعَنُ فِي سِيَاسَةِ عَلِيٍّ أَوْ يَغْمِزُ فِي قَصْدِهِ وَدِينِهِ كَمَا يَفْعَلُ مَشْهُور وَالْعَظْمَةُ وَعَلَاوْنَةُ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ فِي قَلْبِكَ الإِيمَانُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ انْتِقَاصِ رَجُلٍ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَأَنَّ رَسُولَهُ يُحِبُّهُ؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ خَلَّفَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي؟».

البيانانْظُرْ كَيْفَ حُفِظَ هَذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَيْفَ أَوْرَدَهُ سَعْدٌ رَدًّا عَلَى مَنْ نَالَ مِنْ عَلِيٍّ أَوِ اسْتَشْكَلَ عَدَمَ خُرُوجِهِ فِي القِتَالِ! فَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُمْ حُرَّاسَ فَضَائِلِ عَلِيٍّ فِي وَجْهِ كُلِّ نَاصِبِيٍّ أَوْ جَافٍ.

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ وَضَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ هَذَا الحَدِيثَ فِي نِصَابِهِ العَدْلِ بَيْنَ الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيط: فَرَدُّوا عَلَى الرَّافِضَةِ زَعْمَهُمْ أَنَّهُ نَصٌّ عَلَى الخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِأَنَّ هَارُونَ مَاتَ فِي حَيَاةِ مُوسَى، وَإِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ مُوسَى فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ ذَهَابِهِ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ كَمَا اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ عَلِيًّا عَلَى المَدِينَةِ عِنْدَ ذَهَابِهِ لِتَبُوك)، وَرَدُّوا عَلَى النَّوَاصِبِ جَحْدَهُمْ لِهَذِهِ المَنْقَبَةِ النَّبَوِيَّةِ البَاهِرَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الطَّعْنَ فِي عَلِيٍّ طَعْنًا فِي أَخِي رَسُولِ اللَّهِ وَصِهْرِهِ وَوَزِيرِ صِدْقِهِ!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي» وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا». وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟».

البيانهَذَانِ حَدِيثَانِ فِي الذِّرْوَةِ العُلْيَا مِنَ الصِّحَّةِ فِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، رَوَاهُمَا المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَأُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ يَشْهَدَانِ بِأَنَّ الزَّهْرَاءَ البَتُولَ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَبَضْعَةُ النَّبِيِّ الَّتِي يُؤْذِيهِ مَا يُؤْذِيهَا!

وَمَعَ ذَلِكَ خَرَجَ صَابِر مَشْهُور بِكُلِّ صَفَاقَةٍ لِيَطْعَنَ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، زَاعِمًا أَنَّهَا «مَوْضُوعَةٌ لِأَغْرَاضٍ سِيَاسِيَّةٍ عَبَّاسِيَّةٍ وَعَلَوِيَّة»، بَلْ وَخَرَجَ شُذَّاذُ «الفِرْقَةِ العَدْنَانِيَّةِ» يَسُبُّونَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جِهَارًا! فَأَيُّ نَصْبٍ أَفْحَشُ مِنْ هَذَا النَّصْبِ الَّذِي يُكَذِّبُ عَائِشَةَ وَالمِسْوَرَ وَالبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا لِيَسْلُبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِيَادَتَهَا فِي الجَنَّة؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ». وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ».

البيانتَأَمَّلْ هَذَا السِّيَاجَ النَّبَوِيَّ الْمَنِيعَ حَوْلَ السِّبْطَيْنِ الشَّهِيدَيْنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا رَيْحَانَتَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدُّنْيَا (فِي صَحِيحِ البُخَارِي)، وَهُمَا حِبَّاهُ اللَّذَانِ قَالَ فِيهِمَا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» (فِي الصَّحِيحَيْن)، وَهُمَا «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» بِتَوَاتُرِ الطُّرُقِ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَة!

وَالْآنَ اسْأَلْ وِسَام الْعَظْمَة وَأَتْبَاعَ مَدْرَسَةِ النَّصْبِ الجَدِيد: كَيْفَ يَجْتَمِعُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» وَ«أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا»، مَعَ قَوْلِكُمْ إِنَّ الحُسَيْنَ «خَارِجِيٌّ شَقَّ عَصَا الطَّاعَةِ وَمَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّةٍ وَتَآمَرَ مَعَ الفُرْسِ»؟! أَيَكُونُ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ مَائِتًا مِيتَةَ جَاهِلِيَّة؟! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم!