بصائر

الْوَحْيُ يَحْكُم، وَالصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُون

يَا مَنْ يَزْعُمُ نُصْرَةَ السُّنَّةِ وَيَسْتَثْقِلُ ذِكْرَ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّة: لَا نَبْدَأُ مَعَكَ بِخُصُومَةٍ سِيَاسِيَّة، وَلَا نُحَاكِمُكَ إِلَى دِيوَانِ الْمُلُوك؛ بَلْ نَبْدَأُ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ رَدَّه: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّه، وَحَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن. فَإِنْ سَلَّمْتَ لَهَا عَرَفْتَ أَنَّ النَّصْبَ هَدْمٌ لِلدِّين، وَإِنْ رَدَدْتَهَا فَقَدْ خَاصَمْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُخَاصِمَنَا!

37 نقلًا37 مصدرًا

هَذَا الْبَابُ مِيزَانٌ مَنْصُوبٌ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ طَالِبِ حَقّ: يَبْدَأُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتِ فِي أَصَحِّ دَوَاوِينِ الْإِسْلَام، ثُمَّ يَثْنِي بِشَهَادَاتِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَسَائِرِ الصَّحَابَة، ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ حَجَر.

وَتَحْتَ كُلِّ نَصٍّ «بَيَان»؛ يَكْشِفُ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَيُحَطِّمُ الشُّبْهَةَ الْمُعَاصِرَةَ الَّتِي يَنْفُثُهَا أَدْعِيَاءُ التَّارِيخِ كَصَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَأَضْرَابِهِمْ، لِيَعْلَمَ الْقَارِئُ أَنَّ مَعْرَكَةَ النَّوَاصِبِ الْجُدُدِ لَيْسَتْ مَعَ الرَّافِضَةِ، بَلْ هِيَ مَعَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَمَعَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة!

وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ «مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِفَضَائِلِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَا نَطَقَ بِهِ فَمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم».

عُرضت 7 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

البيانهَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ هِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَتَحَطَّمُ عَلَيْهَا أَضَالِيلُ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالنَّوَاصِبِ جَمِيعًا فِي قِرَاءَةِ أَحْدَاثِ الْجَمَلِ وَصِفِّين!

أَوَّلًا: سَمَّى اللَّهُ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ «مُؤْمِنِينَ»، وَقَالَ بَعْدَهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ فَبَطَلَ تَكْفِيرُ الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ لِلصَّحَابَة، وَبَطَلَ تَخْوِينُ النَّوَاصِبِ لِجَيْشِ عَلِيٍّ أَوْ جَيْشِ الشَّام. وَثَانِيًا: أَثْبَتَ اللَّهُ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ تَكُونُ «بَاغِيَةً» مَعَ بَقَائِهَا فِي دَائِرَةِ الْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّة؛ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَيَّنَ الطَّائِفَةَ الْبَاغِيَةَ فِي صِفِّينَ بِقَوْلِهِ الْمُتَوَاتِر: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَة»! فَمَنْ أَنْكَرَ بَغْيَ مُقَاتِلِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ جَعَلَ عَلِيًّا هُوَ الْبَاغِي كَمَا يَزْعُمُ وِسَام الْعَظْمَة، فَقَدْ رَدَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ مَعًا!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ».

البيانفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ البَاهِرِ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ ثَلَاثُ صَوَاعِقَ تَدُكُّ مَعَاقِلَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ جَمِيعًا:

الأُولَى: إِثْبَاتُ السِّيَادَةِ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالثَّنَاءُ النَّبَوِيُّ عَلَى صَنِيعِهِ فِي حَقْنِ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ عَامَ الجَمَاعَةِ (41هـ). وَالثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْفِئَتَيْنِ جَمِيعًا — فِئَةِ العِرَاقِ (جَيْشِ عَلِيٍّ وَالحَسَنِ) وَفِئَةِ الشَّامِ (جَيْشِ مُعَاوِيَةَ) — بِالإِسْلَامِ وَالعِظَمِ («بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ»)؛ فَبَطَلَ تَكْفِيرُ الرَّافِضَةِ لِمُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَبَطَلَ تَخْوِينُ النَّوَاصِبِ لِجَيْشِ عَلِيٍّ وَالحَسَنِ وَوَصْفُهُمْ لَهُ بِـ«الجَيْشِ السَّبَئِيّ»! وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ خِلَافَةَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ هِيَ تَمَامُ الثَّلَاثِينَ سَنَةً مِنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ الرَّاشِدَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ المُلْكُ الأُمَوِيُّ!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ عَمَّارٌ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ».

البيانقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالكَتَّانِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيُّ: هَذَا الحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَحُذَيْفَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ العَاصِ وَنَحْوٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا!

وَمَعْنَاهُ صَرِيحٌ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ عِنْدَ جَمِيعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّة: أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ فِي جَيْشِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ صِفِّينَ يَدْعُو أَهْلَ الشَّامِ إِلَى طَاعَةِ الإِمَامِ الشَّرْعِيِّ وَالجَمَاعَةِ (وَهِيَ الجَنَّةُ)، وَأَنَّ مقاتليه كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى فُرْقَةِ الكَلِمَةِ وَالخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ الحَقِّ (مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَأَوِّلِينَ مَعْذُورِينَ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ)، فَقَتَلَتْهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَوْمَ صِفِّين! فَلَمَّا عَجَزَ صَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة عَنْ لَيِّ عُنُقِ هَذَا النَّصِّ القَاطِعِ، لَجَؤُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَوْ تَرْدِيدِ الشُّبْهَةِ النَّاصِبِيَّةِ المَرْدُودَةِ: «إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ جَاءَ بِهِ»؛ وَهِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَفْحَمَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: «إِذَنْ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةَ حِينَ أَخْرَجَهُ إِلَى أُحُد!»

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ». وَقَالَ فِي أَهْلِ الجَمَلِ وَصِفِّينَ حِينَ سُئِلَ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَالَ: «مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا»، قِيلَ: أَفَمُنَافِقُونَ هُمْ؟ قَالَ: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»، قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: «إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا».

البيانيَا لَلْعَظَمَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي مَدْرَسَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ! يَصْعَدُ مِنْبَرَ الكُوفَةِ — عَاصِمَةِ خِلَافَتِهِ وَمَعْقِلِ جَيْشِهِ — فَيُقَرِّرُ تَوَاتُرًا عَنْهُ أَنَّ خَيْرَ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ (كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ وَتَوَاتَرَ عَنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا عَنْ عَلِيٍّ)، وَيَتَوَعَّدُ بِجَلْدِ المُفْتَرِي مَنْ فَضَّلَهُ عَلَى الشَّيْخَيْن!

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى إِنْصَافِهِ العَظِيمِ لِمُقَاتِلِيهِ فِي الجَمَلِ وَصِفِّين: يَأْبَى تَكْفِيرَهُمْ أَوْ تَفْسِيقَهُمْ أَوْ سَبْيَ ذَرَارِيهِمْ، وَيُصَلِّي عَلَى قَتْلَاهُمْ، وَيَصِفُهُمْ بِقَوْلِهِ الجامعِ المَانِعِ الموافقِ لِآيَةِ الحُجُرَاتِ وَحَدِيثِ عَمَّار: «إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا»! فَهَدمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكَلِمَتَيْنِ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ (فِي تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ) وَمَذْهَبَ النَّوَاصِبِ (فِي إِنْكَارِ بَغْيِ مقاتليه عَلَيْهِ)!

قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ الكِنَانِيِّ: «صِفْ لِي عَلِيًّا»، فَلَمَّا وَصَفَ لَهُ عِلْمَهُ وَزُهْدَهُ وَقِيَامَهُ اللَّيْلَ وَخُشُوعَهُ، بَكَى مُعَاوِيَةُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ وَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ، كَانَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ! فَكَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهِ يَا ضِرَارُ؟» قَالَ: حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرِهَا! وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَكْتُبُ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنَ النَّوَازِلِ لِيَسْأَلَ عَنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ فِيهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُهُ قَالَ: «ذَهَبَ الفِقْهُ وَالعِلْمُ بِمَوْتِ ابْنِ أَبِي طَالِب!».

البيانهَذِهِ الحَقِيقَةُ الَّتِي يَكْتُمُهَا النَّوَاصِبُ الجُدُدُ الَّذِينَ يَتَمَسَّحُونَ بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَدَّعِ قَطُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ وَلَا مِثْلُهُ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِي أَصْلِ اسْتِحْقَاقِ الخِلَافَةِ، بَلْ كَانَ يُقِرُّ بِفَضْلِ عَلِيٍّ وَسَابِقَتِهِ وَفِقْهِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الخِلَافُ فِي تَعْجِيلِ القِصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الطَّاعَة!

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ وَشَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «لَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ وَمَنْ مَعَهُ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِالأَمْرِ مِنْ عَلِيٍّ، بَلْ كَانُوا يُقِرُّونَ لَهُ بِالفَضْلِ وَالسَّابِقَةِ». فَيَا أَدْعِيَاءَ «الأُمَوِيَّةِ الجَدِيدَةِ» مَنْ أَنْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا أُمَوِيِّينَ أَكْثَرَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَفْسِهِ، فَتَجْحَدُوا مَا أَقَرَّ بِهِ مُعَاوِيَةُ وَبَكَى لِذِكْرِهِ؟!

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «هَذَا مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ، وَأَنَّ عَلِيًّا هُوَ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ خِلَافَتُهُمْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ عَلِيٍّ، وَلَا إِنَّهُ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ».

البياننَقْلُ إِجْمَاعٍ قَاطِعٍ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَقَالَاتِ الفِرَقِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: اتِّفَاقُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَوْلَى بِالحَقِّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ قَطُّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَوْلَى بِالحَقِّ مِنْ عَلِيٍّ!

وَبِهَذَا الإِجْمَاعِ السُّنِّيِّ يَسْقُطُ قِنَاعُ التَّمَسُّحِ بِالسُّنَّةِ عَنْ وُجُوهِ النَّوَاصِبِ الجُدُدِ؛ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ هُوَ المُصِيبَ فِي قِتَالِ صِفِّينَ وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ حَامِيًا لِقَتَلَةِ عُثْمَانَ أَوْ قَائِدًا لِلْفِئَةِ البَاغِيَةِ، وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهِ إِلَّا غُلَاةُ النَّوَاصِبِ وَالخَوَارِجِ!

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ مَنْعِ الطَّعْنِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الحُرُوبِ وَلَوْ عُرِفَ المُحِقُّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الحُرُوبِ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ، وَقَدْ عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ المُخْطِئِ فِي الِاجْتِهَادِ بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ المُصِيبَ يُؤْجَرُ أَجْرَيْنِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ هُوَ المُصِيبَ فِي حُرُوبِهِ».

البيانتَأَمَّلْ كَيْفَ يَجْمَعُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ فِي «فَتْحِ البَارِي» بَيْنَ الإِجْمَاعَيْنِ السُّنِّيَّيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَنْفَكَّانِ أَبَدًا:

الإِجْمَاعُ الأَوَّلُ: مَنْعُ الطَّعْنِ أَوِ السَّبِّ أَوِ التَّفْسِيقِ لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الفِتْنَةِ لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مَغْفُورٌ لَهُمْ بِسَابِقَتِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ. وَالإِجْمَاعُ الثَّانِي: أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ هُوَ المُصِيبَ المُحِقَّ الدَّاعِيَ إِلَى الجَمَاعَةِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَنَّ مَنْ قَاتَلَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ مَعْذُورًا! فَمَنْ أَخَذَ بِالإِجْمَاعِ الأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي صَارَ نَاصِبِيًّا، وَمَنْ أَخَذَ بِالثَّانِي دُونَ الأَوَّلِ صَارَ رَافِضِيًّا، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ السُّنِّيُّ السَّلَفِيُّ الحَقّ!