بصائر

الْوَحْيُ يَحْكُم، وَالصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُون

يَا مَنْ يَزْعُمُ نُصْرَةَ السُّنَّةِ وَيَسْتَثْقِلُ ذِكْرَ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّة: لَا نَبْدَأُ مَعَكَ بِخُصُومَةٍ سِيَاسِيَّة، وَلَا نُحَاكِمُكَ إِلَى دِيوَانِ الْمُلُوك؛ بَلْ نَبْدَأُ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ رَدَّه: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّه، وَحَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن. فَإِنْ سَلَّمْتَ لَهَا عَرَفْتَ أَنَّ النَّصْبَ هَدْمٌ لِلدِّين، وَإِنْ رَدَدْتَهَا فَقَدْ خَاصَمْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُخَاصِمَنَا!

37 نقلًا37 مصدرًا

هَذَا الْبَابُ مِيزَانٌ مَنْصُوبٌ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ طَالِبِ حَقّ: يَبْدَأُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتِ فِي أَصَحِّ دَوَاوِينِ الْإِسْلَام، ثُمَّ يَثْنِي بِشَهَادَاتِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَسَائِرِ الصَّحَابَة، ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ حَجَر.

وَتَحْتَ كُلِّ نَصٍّ «بَيَان»؛ يَكْشِفُ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَيُحَطِّمُ الشُّبْهَةَ الْمُعَاصِرَةَ الَّتِي يَنْفُثُهَا أَدْعِيَاءُ التَّارِيخِ كَصَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَأَضْرَابِهِمْ، لِيَعْلَمَ الْقَارِئُ أَنَّ مَعْرَكَةَ النَّوَاصِبِ الْجُدُدِ لَيْسَتْ مَعَ الرَّافِضَةِ، بَلْ هِيَ مَعَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَمَعَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة!

وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ «مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِفَضَائِلِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَا نَطَقَ بِهِ فَمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم».

عُرضت 11 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟»... فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ.

البيانشَهَادَةٌ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ عَلَى لِسَانِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ فِي مَشْهَدٍ حَضَرَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ جَمِيعًا: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»! حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِم: «مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، تَطَاوَلْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا»؛ طَمَعًا فِي الفَوْزِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ العُظْمَى بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ!

فَيَا مَنْ يَطْعَنُ فِي سِيَاسَةِ عَلِيٍّ أَوْ يَغْمِزُ فِي قَصْدِهِ وَدِينِهِ كَمَا يَفْعَلُ مَشْهُور وَالْعَظْمَةُ وَعَلَاوْنَةُ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ فِي قَلْبِكَ الإِيمَانُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ انْتِقَاصِ رَجُلٍ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَأَنَّ رَسُولَهُ يُحِبُّهُ؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي» وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا». وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟».

البيانهَذَانِ حَدِيثَانِ فِي الذِّرْوَةِ العُلْيَا مِنَ الصِّحَّةِ فِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، رَوَاهُمَا المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَأُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ يَشْهَدَانِ بِأَنَّ الزَّهْرَاءَ البَتُولَ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَبَضْعَةُ النَّبِيِّ الَّتِي يُؤْذِيهِ مَا يُؤْذِيهَا!

وَمَعَ ذَلِكَ خَرَجَ صَابِر مَشْهُور بِكُلِّ صَفَاقَةٍ لِيَطْعَنَ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، زَاعِمًا أَنَّهَا «مَوْضُوعَةٌ لِأَغْرَاضٍ سِيَاسِيَّةٍ عَبَّاسِيَّةٍ وَعَلَوِيَّة»، بَلْ وَخَرَجَ شُذَّاذُ «الفِرْقَةِ العَدْنَانِيَّةِ» يَسُبُّونَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جِهَارًا! فَأَيُّ نَصْبٍ أَفْحَشُ مِنْ هَذَا النَّصْبِ الَّذِي يُكَذِّبُ عَائِشَةَ وَالمِسْوَرَ وَالبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا لِيَسْلُبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِيَادَتَهَا فِي الجَنَّة؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ عَمَّارٌ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ».

البيانقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالكَتَّانِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيُّ: هَذَا الحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَحُذَيْفَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ العَاصِ وَنَحْوٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا!

وَمَعْنَاهُ صَرِيحٌ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ عِنْدَ جَمِيعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّة: أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ فِي جَيْشِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ صِفِّينَ يَدْعُو أَهْلَ الشَّامِ إِلَى طَاعَةِ الإِمَامِ الشَّرْعِيِّ وَالجَمَاعَةِ (وَهِيَ الجَنَّةُ)، وَأَنَّ مقاتليه كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى فُرْقَةِ الكَلِمَةِ وَالخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ الحَقِّ (مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَأَوِّلِينَ مَعْذُورِينَ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ)، فَقَتَلَتْهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَوْمَ صِفِّين! فَلَمَّا عَجَزَ صَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة عَنْ لَيِّ عُنُقِ هَذَا النَّصِّ القَاطِعِ، لَجَؤُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَوْ تَرْدِيدِ الشُّبْهَةِ النَّاصِبِيَّةِ المَرْدُودَةِ: «إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ جَاءَ بِهِ»؛ وَهِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَفْحَمَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: «إِذَنْ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةَ حِينَ أَخْرَجَهُ إِلَى أُحُد!»

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ — أَوْ مُلْكَهُ — مَنْ يَشَاءُ». قَالَ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَعُمَرَ عَشْرًا، وَعُثْمَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعَلِيٍّ سِتًّا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ: فَقُلْتُ لِسَفِينَةَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ! قَالَ: «كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ — يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ —!».

البياناقْرَأْ هَذَا الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الْمُعْجِزَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِتَرَى كَيْفَ يَهْدِمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَصْلَيْنِ مِنْ أُصُولِ النَّوَاصِبِ الْجُدُد:

الأَوَّل: إِثْبَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خِلَافَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِهِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هِيَ «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ» الرَّاشِدَةُ المُكَمِّلَةُ لِلثَّلَاثِينَ سَنَةً قَطْعًا؛ وَانْظُرْ إِلَى غَضْبَةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَوَاصِبِ عَصْرِهِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ عَلِيًّا لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ شَرْعِيٍّ (وَهُوَ عَيْنُ مَا يُرَدِّدُهُ وِسَام الْعَظْمَة الْيَوْمَ!). وَالثَّانِي: أَنَّ مَا بَعْدَ عَامِ الجَمَاعَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ هُوَ «مُلْكٌ» لَا «خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ»؛ فَكَانَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلَ ملوك الإِسْلَامِ وَخَيْرَهُمْ، وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَمَلِكٌ جَرَتْ فِي مُلْكِهِ الفَوَاجِعُ؛ فَمَنْ سَمَّى يَزِيدَ «الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ السَّادِسَ» كَمَا صَنَعَ صَابِر مَشْهُور، فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ حِينَ قَتَلَ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ!»، فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا.

البيانفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَقِفُ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ — وَهِيَ ابْنَةُ مِائَةِ عَامٍ قَدْ كُفَّ بَصَرُهَا — فِي وَجْهِ الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ بَعْدَ أَنْ صَلَبَ وَلَدَهَا الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَتَصُكُّ وَجْهَهُ بِنُبُوءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا»؛ فَالكَذَّابُ هُوَ المُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالمُبِيرُ (أَيِ المُهْلِكُ السَّفَّاكُ لِلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ) هُوَ الحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ!

ثُمَّ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ صَابِر مَشْهُور وَيُوسُف عَلَاوْنَة لِيَتَغَنَّيَا بِالحَجَّاجِ وَيَزْعُمَا أَنَّهُ «المُفْتَرَى عَلَيْهِ الَّذِي أَنْقَذَ القُرْآنَ وَالإِسْلَامَ»! أَفَنُصَدِّقُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنَ عُمَرَ وَالحَسَنَ البَصْرِيَّ وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، أَمْ نُصَدِّقُ حَكَوَاتِيًّا يَسْتَجْدِي المُشَاهَدَاتِ بِتَمْجِيدِ الجَلَّادِينَ؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».

البيانهَذِهِ شَهَادَةُ النُّبُوَّةِ المُطْلَقَةُ بِالخَيْرِيَّةِ وَالأَمَانَةِ لِلْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ المُفَضَّلَة: قَرْنِ الصَّحَابَةِ، فَقَرْنِ التَّابِعِينَ، فَقَرْنِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (وَهُوَ القَرْنُ الَّذِي دُوِّنَتْ فِيهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى يَدِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ المُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ)!

فَحِينَ يَخْرُجُ صَابِر مَشْهُور لِيَزْعُمَ أَنَّ «الدِّينَ الإِسْلَامِيَّ وَالأَحَادِيثَ وَالتَّفْسِيرَ قَدْ زُوِّرَتْ فِي العَصْرِ العَبَّاسِيِّ الأَوَّلِ»، فَإِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ يَطْعَنُ فِي القُرُونِ المَفَضَّلَةِ الَّتِي زَكَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَتَّهِمُ خَيْرَ أَجْيَالِ الأُمَّةِ بِالتَّوَاطُؤِ عَلَى الكَذِبِ أَوِ الغَفْلَةِ عَنْ تَحْرِيفِ الدِّين! وَهَذَا وَاللَّهِ هَدْمٌ لِلْإِسْلَامِ مِنْ قَوَاعِدِهِ لَا يَخْتَلِفُ عَنْ مَسْلَكِ الزَّنَادِقَةِ وَالمُسْتَشْرِقِين!

قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا حَقٌّ، وَالقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا القُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى وَهُمْ زَنَادِقَةٌ!».

البيانكَثِيرًا مَا يَسْتَشْهِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ بِهَذِهِ المَقُولَةِ الذَّهَبِيَّةِ لِأَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ، وَلَكِنْ تَأَمَّلْ كَيْفَ تَنْطَبِقُ بِحَذَافِيرِهَا عَلَى النَّوَاصِبِ الجُدُدِ مِنْ أَمْثَالِ صَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَالفِرْقَةِ العَدْنَانِيَّة!

أَلَيْسَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَفَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ، وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُمْ فِي طَلِيعَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! وَأَلَيْسَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَالذَّهَبِيُّ هُمُ الشُّهُودَ الَّذِينَ نَقَلُوا لَنَا سُنَنَ الصَّحَابَةِ؟! فَمَنِ انْتَقَصَ عَلِيًّا وَالحُسَيْنَ وَعَمَّارًا وَطَعَنَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقَدْ جَرَحَ شُهُودَ الإِسْلَامِ لِيُبْطِلَ السُّنَّةَ، فَالْجَرْحُ بِهِ أَوْلَى!

قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ وَالمِزِّيُّ: «دَخَلَ الإِمَامُ النَّسَائِيُّ دِمَشْقَ فَرَأَى فِيهَا انْحِرَافًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَصَنَّفَ كِتَابَ (الخَصَائِصِ فِي فَضْلِ عَلِيٍّ وأهل البيت) رَجَاءَ أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ؛ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِفَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: أَمَا يَرْضَى رَأْسًا بِرَأْسٍ حَتَّى يُفَضَّلَ؟! فَمَا زَالُوا يَدْفَعُونَهُ وَيَطَؤُونَهُ حَتَّى أُخْرِجَ مِنَ المَسْجِدِ مَحْمُولًا، فَمَاتَ شَهِيدًا رَحِمَهُ اللَّهُ!».

البيانمَشْهَدٌ تَارِيخِيٌّ مَهِيبٌ يَكْشِفُ طَبِيعَةَ الغَوْغَاءِ النَّوَاصِبِ فِي كُلِّ زَمَان: إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الأَعْلَامِ — أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ صَاحِبُ «السُّنَنِ» أَحَدِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، الَّذِي كَانَ يَصُومُ صَوْمَ دَاوُدَ وَيُجَاهِدُ فِي الثُّغُورِ — يَدْخُلُ دِمَشْقَ فَيَرَى بَقَايَا جَفَاءٍ نَاصِبِيٍّ تِجَاهَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَيُصَنِّفُ كِتَابَ «خَصَائِصِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ» بِالأَسَانِيدِ الجِيَادِ نُصْحًا لِلْأُمَّةِ؛ فَمَاذَا فَعَلَ بِهِ جُهَّالُ النَّوَاصِبِ؟ ضَرَبُوهُ فِي المَسْجِدِ وَوَطِئُوا خُصْيَتَيْهِ حَتَّى مَاتَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ الذَّبِّ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَفَضْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!

وَمِنْ أَقْبَحِ مَا سُجِّلَ فِي عَصْرِنَا أَنْ يَخْرُجَ بَعْضُ مَنِ اسْتَهْوَاهُ النَّفَسُ النَّاصِبِيُّ — كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ دِمَشْقِيَّةَ فِي مَقْطَعٍ مَشْهُورٍ رَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَشَايِخُ السُّنَّةِ كَأَبِي مَالِكٍ التلبنتي وَأَبِي عُمَرَ البَاحِثِ — لِيَشْمَتَ بِمَقْتَلِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ قَائِلًا: «مَاتَ مِيتَةً يَسْتَحِقُّهَا»! أَيَسْتَحِقُّ إِمَامُ الحَدِيثِ القَتْلَ وَالدَّوْسَ بِالأَقْدَامِ لِأَنَّهُ رَوَى أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ فِي فَضْلِ عَلِيٍّ وَامْتَنَعَ مِنْ تَفْضِيلِ مُعَاوِيَةَ عَلَيْه؟!

قَالَ الحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِمَامُ الْخَلْقِ بَعْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعُثْمَانَ، وَقَسِيمُهُمْ فِي الْفَضْلِ، وَأَهْلُ الشَّامِ كَانُوا بُغَاةً عَلَيْهِ مُتَأَوِّلِينَ بِشَهَادَةِ النَّصِّ النَّبَوِيِّ: (وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ). فَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيًّا أَوْ نَالَ مِنْهُ فَهُوَ نَاصِبِيٌّ مَمْقُوتٌ قَدْ خَرَجَ عَنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ».

البيانلَا عَجَبَ أَنْ يُخَصِّصَ صَابِر مَشْهُور سَبْعَةَ عَشَرَ مَقْطَعًا لِلطَّعْنِ فِي الحَافِظِ الذَّهَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ! فَالذَّهَبِيُّ — مُؤَرِّخُ الإِسْلَامِ الأَكْبَرُ وَنَاقِدُ الرِّجَالِ البَصِيرُ — قَدْ أَقَامَ فِي «سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» وَ«تَارِيخِ الإِسْلَامِ» سَدًّا فُولَاذِيًّا أَمَامَ الأَكَاذِيبِ النَّاصِبِيَّةِ وَالرَّافِضِيَّةِ عَلَى السَّوَاء!

انْظُرْ إِلَى صَرَامَةِ الحَافِظِ الذَّهَبِيِّ وَوُضُوحِ عَقِيدَتِهِ: يَشْهَدُ لِعَلِيٍّ بِالإِمَامَةِ الحَقَّةِ، وَيَحْكُمُ بِمُقْتَضَى حَدِيثِ عَمَّارٍ المتواترِ، وَيَدْمَغُ كُلَّ مَنْ نَالَ مِنْ عَلِيٍّ بِأَنَّهُ «نَاصِبِيٌّ مَمْقُوتٌ» خَارِجٌ عَنِ العَهْدِ النَّبَوِيِّ! فَكَيْفَ لَا يَغْتَاظُ مَشْهُور وَالدُّلَيْمِيّ وَالعَظْمَةُ مِنْ إِمَامٍ يَفْضَحُ نَصْبَهُمْ وَجَهْلَهُمْ فِي كُلِّ صَفْحَةٍ مِنْ كُتُبِهِ؟!

قَالَ الحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ فِي يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: «كَانَ نَاصِبِيًّا، فَظًّا، غَلِيظًا، جِلْفًا... افْتَتَحَ دَوْلَتَهُ بِمَقْتَلِ الشَّهِيدِ الْحُسَيْنِ، وَاخْتَتَمَهَا بِوَاقِعَةِ الْحَرَّةِ، فَمَقَتَهُ النَّاسُ وَلَمْ يُبَارَكْ فِي عُمْرِهِ». وَقَالَ فِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: «أَهْلَكُوهُ اللَّهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ كَهْلًا، وَكَانَ ظَلُومًا، جَبَّارًا، نَاصِبِيًّا، خَبِيثًا، سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ... لَا نُحِبُّهُ بَلْ نُبْغِضُهُ فِي اللَّهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ».

البيانضَعْ هَذَا المِيزَانَ الحَدِيدِيَّ لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ فِي «سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» إِزَاءَ تَرَّهَاتِ صَابِر مَشْهُور وَيُوسُف عَلَاوْنَة لِتَرَى الفَرْقَ بَيْنَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ الرَّبَّانِيِّينَ وَبَيْنَ غُلَاةِ النَّوَاصِبِ المَفْتُونِين!

الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ — الَّذِي ذَبَّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِصُحْبَتِهِ وَجِهَادِهِ — لَمْ تُحَابِ رِيشَتُهُ وَلَدَهُ يَزِيدَ حِينَ اسْتُبِيحَتْ فِي عَهْدِهِ كَرْبَلَاءُ وَالمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَلَمْ تُحَابِ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ حِينَ سَفَكَ دِمَاءَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَضَرَبَ الكَعْبَةَ؛ بَلْ قَالَ كَلِمَتَهُ الفَاصِلَةَ: «لَا نُحِبُّهُ بَلْ نُبْغِضُهُ فِي اللَّهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الإِيمَانِ»! لِأَنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُقَامُ بِمُدَاهَنَةِ الظَّلَمَةِ وَلَا بِتَزْيِيفِ التَّارِيخ!