بصائر

الْوَحْيُ يَحْكُم، وَالصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُون

يَا مَنْ يَزْعُمُ نُصْرَةَ السُّنَّةِ وَيَسْتَثْقِلُ ذِكْرَ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّة: لَا نَبْدَأُ مَعَكَ بِخُصُومَةٍ سِيَاسِيَّة، وَلَا نُحَاكِمُكَ إِلَى دِيوَانِ الْمُلُوك؛ بَلْ نَبْدَأُ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ رَدَّه: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّه، وَحَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن. فَإِنْ سَلَّمْتَ لَهَا عَرَفْتَ أَنَّ النَّصْبَ هَدْمٌ لِلدِّين، وَإِنْ رَدَدْتَهَا فَقَدْ خَاصَمْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُخَاصِمَنَا!

37 نقلًا37 مصدرًا

هَذَا الْبَابُ مِيزَانٌ مَنْصُوبٌ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ طَالِبِ حَقّ: يَبْدَأُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتِ فِي أَصَحِّ دَوَاوِينِ الْإِسْلَام، ثُمَّ يَثْنِي بِشَهَادَاتِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَسَائِرِ الصَّحَابَة، ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ حَجَر.

وَتَحْتَ كُلِّ نَصٍّ «بَيَان»؛ يَكْشِفُ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَيُحَطِّمُ الشُّبْهَةَ الْمُعَاصِرَةَ الَّتِي يَنْفُثُهَا أَدْعِيَاءُ التَّارِيخِ كَصَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَأَضْرَابِهِمْ، لِيَعْلَمَ الْقَارِئُ أَنَّ مَعْرَكَةَ النَّوَاصِبِ الْجُدُدِ لَيْسَتْ مَعَ الرَّافِضَةِ، بَلْ هِيَ مَعَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَمَعَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة!

وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ «مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِفَضَائِلِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَا نَطَقَ بِهِ فَمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم».

عُرضت 16 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

البيانهَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ هِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَتَحَطَّمُ عَلَيْهَا أَضَالِيلُ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالنَّوَاصِبِ جَمِيعًا فِي قِرَاءَةِ أَحْدَاثِ الْجَمَلِ وَصِفِّين!

أَوَّلًا: سَمَّى اللَّهُ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ «مُؤْمِنِينَ»، وَقَالَ بَعْدَهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ فَبَطَلَ تَكْفِيرُ الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ لِلصَّحَابَة، وَبَطَلَ تَخْوِينُ النَّوَاصِبِ لِجَيْشِ عَلِيٍّ أَوْ جَيْشِ الشَّام. وَثَانِيًا: أَثْبَتَ اللَّهُ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ تَكُونُ «بَاغِيَةً» مَعَ بَقَائِهَا فِي دَائِرَةِ الْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّة؛ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَيَّنَ الطَّائِفَةَ الْبَاغِيَةَ فِي صِفِّينَ بِقَوْلِهِ الْمُتَوَاتِر: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَة»! فَمَنْ أَنْكَرَ بَغْيَ مُقَاتِلِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ جَعَلَ عَلِيًّا هُوَ الْبَاغِي كَمَا يَزْعُمُ وِسَام الْعَظْمَة، فَقَدْ رَدَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ مَعًا!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ».

البيانهَذَا مِسْبَارُ الْقُلُوبِ النَّبَوِيُّ الَّذِي كَانَ الصَّحَابَةُ يَمْتَحِنُونَ بِهِ السَّرَائِرَ؛ قَالَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: «مَا كُنَّا نَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب»!

وَالْآنَ ضَعْ هَذَا الْعَهْدَ النَّبَوِيَّ القَاطِعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَمَامَ قَوْلِ طَهَ الدُّلَيْمِيّ المسجَّل بصوته: «إن ظهور أناس يشتمون عليًّا رضي الله عنه اليوم علامة على بداية التصحيح!»؛ أَيُّ تَصْحِيحٍ هَذَا الَّذِي تَكُونُ عَلَامَتُهُ ظُهُورَ آيَةِ النِّفَاقِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا بِنَصِّ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟! إِنَّهُ وَاللَّهِ لَيْسَ تَصْحِيحًا لِلسُّنَّةِ، بَلْ فَضِيحَةٌ لِسَرِيرَةِ مَنِ اسْتَحْسَنَ شَتْمَ وَلِيِّ اللَّهِ وَخَلِيفَةِ رَسُولِهِ!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟»... فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ.

البيانشَهَادَةٌ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ عَلَى لِسَانِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ فِي مَشْهَدٍ حَضَرَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ جَمِيعًا: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»! حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِم: «مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، تَطَاوَلْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا»؛ طَمَعًا فِي الفَوْزِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ العُظْمَى بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ!

فَيَا مَنْ يَطْعَنُ فِي سِيَاسَةِ عَلِيٍّ أَوْ يَغْمِزُ فِي قَصْدِهِ وَدِينِهِ كَمَا يَفْعَلُ مَشْهُور وَالْعَظْمَةُ وَعَلَاوْنَةُ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ فِي قَلْبِكَ الإِيمَانُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ انْتِقَاصِ رَجُلٍ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَأَنَّ رَسُولَهُ يُحِبُّهُ؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ خَلَّفَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي؟».

البيانانْظُرْ كَيْفَ حُفِظَ هَذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَيْفَ أَوْرَدَهُ سَعْدٌ رَدًّا عَلَى مَنْ نَالَ مِنْ عَلِيٍّ أَوِ اسْتَشْكَلَ عَدَمَ خُرُوجِهِ فِي القِتَالِ! فَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُمْ حُرَّاسَ فَضَائِلِ عَلِيٍّ فِي وَجْهِ كُلِّ نَاصِبِيٍّ أَوْ جَافٍ.

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ وَضَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ هَذَا الحَدِيثَ فِي نِصَابِهِ العَدْلِ بَيْنَ الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيط: فَرَدُّوا عَلَى الرَّافِضَةِ زَعْمَهُمْ أَنَّهُ نَصٌّ عَلَى الخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِأَنَّ هَارُونَ مَاتَ فِي حَيَاةِ مُوسَى، وَإِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ مُوسَى فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ ذَهَابِهِ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ كَمَا اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ عَلِيًّا عَلَى المَدِينَةِ عِنْدَ ذَهَابِهِ لِتَبُوك)، وَرَدُّوا عَلَى النَّوَاصِبِ جَحْدَهُمْ لِهَذِهِ المَنْقَبَةِ النَّبَوِيَّةِ البَاهِرَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الطَّعْنَ فِي عَلِيٍّ طَعْنًا فِي أَخِي رَسُولِ اللَّهِ وَصِهْرِهِ وَوَزِيرِ صِدْقِهِ!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ عَمَّارٌ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ».

البيانقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالكَتَّانِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيُّ: هَذَا الحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَحُذَيْفَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ العَاصِ وَنَحْوٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا!

وَمَعْنَاهُ صَرِيحٌ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ عِنْدَ جَمِيعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّة: أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ فِي جَيْشِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ صِفِّينَ يَدْعُو أَهْلَ الشَّامِ إِلَى طَاعَةِ الإِمَامِ الشَّرْعِيِّ وَالجَمَاعَةِ (وَهِيَ الجَنَّةُ)، وَأَنَّ مقاتليه كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى فُرْقَةِ الكَلِمَةِ وَالخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ الحَقِّ (مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَأَوِّلِينَ مَعْذُورِينَ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ)، فَقَتَلَتْهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَوْمَ صِفِّين! فَلَمَّا عَجَزَ صَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة عَنْ لَيِّ عُنُقِ هَذَا النَّصِّ القَاطِعِ، لَجَؤُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَوْ تَرْدِيدِ الشُّبْهَةِ النَّاصِبِيَّةِ المَرْدُودَةِ: «إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ جَاءَ بِهِ»؛ وَهِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَفْحَمَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: «إِذَنْ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةَ حِينَ أَخْرَجَهُ إِلَى أُحُد!»

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ — أَوْ مُلْكَهُ — مَنْ يَشَاءُ». قَالَ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَعُمَرَ عَشْرًا، وَعُثْمَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعَلِيٍّ سِتًّا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ: فَقُلْتُ لِسَفِينَةَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ! قَالَ: «كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ — يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ —!».

البياناقْرَأْ هَذَا الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الْمُعْجِزَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِتَرَى كَيْفَ يَهْدِمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَصْلَيْنِ مِنْ أُصُولِ النَّوَاصِبِ الْجُدُد:

الأَوَّل: إِثْبَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خِلَافَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِهِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هِيَ «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ» الرَّاشِدَةُ المُكَمِّلَةُ لِلثَّلَاثِينَ سَنَةً قَطْعًا؛ وَانْظُرْ إِلَى غَضْبَةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَوَاصِبِ عَصْرِهِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ عَلِيًّا لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ شَرْعِيٍّ (وَهُوَ عَيْنُ مَا يُرَدِّدُهُ وِسَام الْعَظْمَة الْيَوْمَ!). وَالثَّانِي: أَنَّ مَا بَعْدَ عَامِ الجَمَاعَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ هُوَ «مُلْكٌ» لَا «خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ»؛ فَكَانَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلَ ملوك الإِسْلَامِ وَخَيْرَهُمْ، وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَمَلِكٌ جَرَتْ فِي مُلْكِهِ الفَوَاجِعُ؛ فَمَنْ سَمَّى يَزِيدَ «الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ السَّادِسَ» كَمَا صَنَعَ صَابِر مَشْهُور، فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا!

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ». وَفَرَضَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي الدِّيوَانِ مِثْلَ فَرِيضَةِ أَبِيهِمَا عَلِيٍّ مَعَ أَهْلِ بَدْرٍ؛ لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

البيانهَذَا هُوَ الفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُقَدِّمُ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِيهِ الخَطَّابِ، وَيَبْدَأُ دِيوَانَ العَطَاءِ بِبَنِي هَاشِمٍ قَبْلَ قَوْمِهِ بَنِي عَدِيٍّ، وَيُلْحِقُ السِّبْطَيْنِ الشَّابَّيْنِ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ بِفَرِيضَةِ أَهْلِ بَدْرٍ (خَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ) قَبْلَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَيَتَزَوَّجُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَغْبَةً فِي الصِّهْرِ النَّبَوِيِّ، وَيَقُولُ: «لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَر»!

فَيَا أَيُّهَا النَّاصِبِيُّ المَفْتُونُ بِـ«القَوْمِيَّةِ الأُمَوِيَّةِ» المَزْعُومَة: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ فِقْهِ عُمَرَ الفَارُوقِ وَعَدْلِهِ وَتَعْظِيمِهِ لِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ». وَقَالَ فِي أَهْلِ الجَمَلِ وَصِفِّينَ حِينَ سُئِلَ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَالَ: «مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا»، قِيلَ: أَفَمُنَافِقُونَ هُمْ؟ قَالَ: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»، قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: «إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا».

البيانيَا لَلْعَظَمَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي مَدْرَسَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ! يَصْعَدُ مِنْبَرَ الكُوفَةِ — عَاصِمَةِ خِلَافَتِهِ وَمَعْقِلِ جَيْشِهِ — فَيُقَرِّرُ تَوَاتُرًا عَنْهُ أَنَّ خَيْرَ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ (كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ وَتَوَاتَرَ عَنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا عَنْ عَلِيٍّ)، وَيَتَوَعَّدُ بِجَلْدِ المُفْتَرِي مَنْ فَضَّلَهُ عَلَى الشَّيْخَيْن!

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى إِنْصَافِهِ العَظِيمِ لِمُقَاتِلِيهِ فِي الجَمَلِ وَصِفِّين: يَأْبَى تَكْفِيرَهُمْ أَوْ تَفْسِيقَهُمْ أَوْ سَبْيَ ذَرَارِيهِمْ، وَيُصَلِّي عَلَى قَتْلَاهُمْ، وَيَصِفُهُمْ بِقَوْلِهِ الجامعِ المَانِعِ الموافقِ لِآيَةِ الحُجُرَاتِ وَحَدِيثِ عَمَّار: «إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا»! فَهَدمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكَلِمَتَيْنِ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ (فِي تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ) وَمَذْهَبَ النَّوَاصِبِ (فِي إِنْكَارِ بَغْيِ مقاتليه عَلَيْهِ)!

قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ الكِنَانِيِّ: «صِفْ لِي عَلِيًّا»، فَلَمَّا وَصَفَ لَهُ عِلْمَهُ وَزُهْدَهُ وَقِيَامَهُ اللَّيْلَ وَخُشُوعَهُ، بَكَى مُعَاوِيَةُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ وَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ، كَانَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ! فَكَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهِ يَا ضِرَارُ؟» قَالَ: حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرِهَا! وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَكْتُبُ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنَ النَّوَازِلِ لِيَسْأَلَ عَنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ فِيهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُهُ قَالَ: «ذَهَبَ الفِقْهُ وَالعِلْمُ بِمَوْتِ ابْنِ أَبِي طَالِب!».

البيانهَذِهِ الحَقِيقَةُ الَّتِي يَكْتُمُهَا النَّوَاصِبُ الجُدُدُ الَّذِينَ يَتَمَسَّحُونَ بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَدَّعِ قَطُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ وَلَا مِثْلُهُ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِي أَصْلِ اسْتِحْقَاقِ الخِلَافَةِ، بَلْ كَانَ يُقِرُّ بِفَضْلِ عَلِيٍّ وَسَابِقَتِهِ وَفِقْهِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الخِلَافُ فِي تَعْجِيلِ القِصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الطَّاعَة!

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ وَشَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «لَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ وَمَنْ مَعَهُ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِالأَمْرِ مِنْ عَلِيٍّ، بَلْ كَانُوا يُقِرُّونَ لَهُ بِالفَضْلِ وَالسَّابِقَةِ». فَيَا أَدْعِيَاءَ «الأُمَوِيَّةِ الجَدِيدَةِ» مَنْ أَنْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا أُمَوِيِّينَ أَكْثَرَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَفْسِهِ، فَتَجْحَدُوا مَا أَقَرَّ بِهِ مُعَاوِيَةُ وَبَكَى لِذِكْرِهِ؟!

قَالَ الخَلِيفَةُ العَادِلُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ: «كُنْتُ غُلَامًا أَقْرَأُ القُرْآنَ عَلَى بَعْضِ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَمَرَّ بِي يَوْمًا وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ وَنَحْنُ نَتَنَاوَلُ عَلِيًّا، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ لِي: مَتَى عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ سَخِطَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ بَعْدَ أَنْ رَضِيَ عَنْهُمْ؟ قُلْتُ: فَمَتَى رَضِيَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: يَوْمَ قَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ! فَعَاهَدْتُ اللَّهَ أَلَّا أَذْكُرَ عَلِيًّا إِلَّا بِخَيْرٍ». فَلَمَّا وَلِيَ الخِلَافَةَ أَبْطَلَ سَبَّ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المَنَابِرِ وَجَعَلَ مَكَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾.

البيانلِهَذَا السَّبَبِ تَحْدِيدًا يَحْقِدُ صَابِر مَشْهُور وَالنَّوَاصِبُ الجُدُدُ عَلَى الخَلِيفَةِ الزَّاهِدِ العَادِلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ (وهوَ أُمَوِيٌّ مَرْوَانِيٌّ قُرَشِيٌّ حَفِيدُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ)! لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ طَهَّرَ مَنَابِرَ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ مِنْ بِدْعَةِ النَّلِ مِنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَدَّ المَظَالِمَ إِلَى آلِ البَيْتِ وَسَائِرِ المُسْلِمِينَ، وَعَزَلَ وُلَاةَ الجَوْرِ مِنْ صَنَائِعِ الحَجَّاج!

فَانْظُرْ إِلَى المَوْقِفِ الأُمَوِيِّ الرَّاشِدِ الَّذِي مَثَّلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وَأَطْبَقَتِ الأُمَّةُ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَقَارِنْهُ بِسَفَاهَةِ صَابِر مَشْهُور الَّذِي يَطْعَنُ فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ أَسْقَطَ الدَّوْلَةَ الأُمَوِيَّةَ بِعَدْلِهِ وَإِنْصَافِهِ لِآلِ البَيْت!