أوّلًا: حقيقة النَّصْب والناصبة في ميزان الشرع واللغة
المعنى اللغوي والاصطلاحي العقدي
النَّصْبُ في لسان العرب إقامةُ الشيء وإظهارُه، ومنه نَصْبُ الراية ونَصْبُ العداوة؛ فإذا قيل في اصطلاح أئمة العقيدة والفرق: «الناصبة» أو «النواصب»، فهم الفرقة التي تديَّنت ببغض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل بيت النبوة الأطهار، أو نَصَبت لهم العداوة، أو انتقصت من قدرهم وفضائلهم الثابتة، أو طعنت في إمامة عليٍّ رضي الله عنه وعدالته، أو استحلّت أذى ذرية النبي صلى الله عليه وسلم بقولٍ أو فعل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهلُ السنّةِ والجماعةِ يُحِبُّون أهلَ بيتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ويتولَّونهم، ويحفظون فيهم وصيةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم... ويتبرَّؤون من طريقةِ الروافضِ الذين يُبغِضون الصحابةَ ويسبُّونهم، ومن طريقةِ النواصبِ الذين يُؤذون أهلَ البيتِ بقولٍ أو عمل» (العقيدة الواسطية).
فانظر كيف جعل شيخ الإسلام رحمه الله حدَّ الناصبية شاملًا لكل من «يؤذي أهل البيت بقول أو عمل»؛ فلا يُشترط في الناصبي أن يقف على المنبر لاعنًا لعليٍّ رضي الله عنه بصريح اللفظ حتى يكون ناصبيًّا، بل كلُّ من غمز في دينه، أو طعن في شرعية خلافته الراشدة، أو سمّى جنده من المهاجرين والأنصار «فئةً باغيةً سبئية»، أو رمى سيّدَ شباب أهل الجنة الحسينَ بن علي رضي الله عنهما بالخروج والتآمر والبغي، أو ردَّ الأحاديث الصحاح الثابتة في فضائل فاطمة الزهراء والحسنين وعمار بن ياسر رضي الله عنهم؛ فقد شرب من عين النَّصْب وضرب بسهمٍ في مذهب الناصبة، وإن تزيّا بزيّ «الذبّ عن الصحابة» أو «مواجهة الروافض»!
ثانيًا: النواصب القدامى — النشأة والأطوار والاندثار
الطور الأول: ناصبة الخوارج (الحرورية)
انبثقت شرارةُ النَّصْب الأولى من رحم الغلوّ الخارجي يومَ صفّين والنهروان (سنة 37 - 38 هـ)، حين خرجت الحروريةُ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد التحكيم، فكفّروه وكفّروا عثمان بن عفان وأصحاب الجمل وصفين، واستحلّوا دماء المسلمين، حتى انتهى بهم الفجور إلى عقد المؤامرة الآثمة التي قُتل فيها أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه في محراب الفجر بالكوفة على يد الخارجي الشقي عبد الرحمن بن ملجم المرادي سنة 40 هـ، وظلّت بقايا الخوارج (كالأزارقة والنجدات والإباضية الأوائل) تطعن في عليٍّ وعثمان رضي الله عنهما وتبرأ منهما.
الطور الثاني: ناصبة الشام والغلو السياسي في بني أمية
وإلى جانب ناصبة الخوارج الذين انطلقوا من غلوٍّ دينيٍّ تكفيري، ظهر طورٌ آخر من النَّصْب انطلق من عصبية الملك والسياسة في أوساط غلاة جند الشام وبعض ولاة بني أمية كالحجاج بن يوسف الثقفي ومن شايعه؛ إذ تحوّل الخلاف السياسي والعسكري الذي وقع في الفتنة إلى جفاءٍ وبغضٍ وسبٍّ على بعض المنابر، وامتحانٍ للناس بسبّ عليٍّ رضي الله عنه، وإيذاءٍ لمن يذكر فضائله ومناقبه، حتى بلغ الفجورُ بقتلة كربلاء سنة 61 هـ أن سفكوا دم ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي وأهل بيته ظلمًا وعدوانًا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ» (رواه أحمد والترمذي وصححه الأئمة).
عمر بن عبد العزيز وأئمة السلف يطوون صفحة النصب القديم
غير أن الأمة المحمدية المعصومة من الاجتماع على ضلالة لم تلبث أن لفظت هذا الخبث؛ فقام أئمة الصحابة والتابعين في الحجاز والعراق والشام ومصر بنشر فضائل عليٍّ وآل البيت رضي الله عنهم في الآفاق، وتصدّى أئمة الحديث لجمع مناقبهم في الصحاح والسنن والمسانيد، ثم جاء الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله (99 - 101 هـ) فقطع دابر السبّ من المنابر، وأبدل مكانه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾، واستقرّ إجماعُ أهل السنة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها على تربيعِ عليٍّ رضي الله عنه في الخلافة الراشدة، والشهادةِ بالحسنى والولاية لآل البيت الأطهار.
ولم يبقَ للنصب بعد ذلك إلا جيوبٌ شاذة، كتلك الشرذمة التي قتلت الإمام الحافظ أبا عبد الرحمن النسائي رحمه الله في دمشق سنة 303 هـ حين صنّف كتاب «خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب»؛ ثم اندثرت الفرقة الناصبية من الوجود العلمي والشعبي قرونًا متطاولة، حتى ظنّ الناس أنها أصبحت أثرًا في بطون كتب المقالات والفرق!
ثالثًا: النواصب الجُدُد — البعث الرقمي والقومية الأموية
كيف استُخرجت الجثة من قبرها؟ ذريعة «التمدد الرافضي» ونظرية «التطرف المضاد»
في العقدين الأخيرين، ومع اشتداد جرائم الميليشيات الرافضية الإيرانية في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وما صاحبها من طعنٍ فاجر في أمهات المؤمنين والصحابة الكرام، ظهر على الساحة الإعلامية ومنصات التواصل تيارٌ منحرف لم يواجه البدعةَ الرافضية بالسنة المحضـة، بل واجه البدعةَ ببدعةٍ تقابلها، والغلوَّ الرافضيَّ بجفاءٍ ناصبي!
وقد أفصح عن هذا المنهج الأخرق أحدُ أبرز منظّري هذا التيار (طه حامد الدليمي) حين قعّد قاعدةً شيطانية تزعم أن «الاعتدال لا ينشأ إلا بتطرفٍ مضاد»، حتى صرّح بلسانه في مكالمة موثقة مع يوسف علاونة بأن «ظهور أناسٍ يشتمون عليًّا رضي الله عنه علامةٌ صحية على بداية التصحيح»!
وهكذا استبدل هؤلاء بميزان النبوة ميزانَ «القومية الأموية»، فجعلوا بني أمية — بما فيهم الملوك والولاة الظلمة كالحجاج بن يوسف ويزيد بن معاوية — هم «معيار السنة والهوية»، فكلُّ صحابيٍّ أو إمامٍ أو حديثٍ نبويٍّ يصطدم بهذا الصنم السياسي الجديد وجب عندهم إسقاطه أو تأويله أو الطعن في رواته!
رؤوس الموجة الناصبية المعاصرة وأجنحتها
توزّعت هذه الموجة الناصبية المعاصرة على أجنحةٍ وشخصياتٍ تتفاوت في صراحتها، لكنها تصدر عن مشكاةٍ واحدة:
- طه حامد الدليمي (العراق): المنظّر الأول لـ«التطرف المضاد» وصاحب المقولة الصادمة: «إن ظهور أناس يشتمون عليًّا علامة صحية على بداية التصحيح!»، ومنكر مبيت علي في الفراش وحديث عمار.
- صابر مشهور (مصر/تركيا): اليوتيوبر الصحفي الذي طعن في صحيح البخاري ومسلم وسنن الترمذي والمستدرك، ورد حديث «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» وحديث «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» وحديث «عمار تقتله الفئة الباغية»، وتطاول على عمر بن عبد العزيز والحاكم والذهبي والألباني.
- وسام العظمة (سوريا): صاحب التنظير السياسي الصريح بأن الحسين بن علي رضي الله عنه «خارجٌ متآمر مع الفرس لإسقاط دولة الإسلام وقتل الملايين بسببه»، وأن عليًّا رضي الله عنه حكم بالتغلب وقاد «جيشًا سبئيًّا باغيًا»!
- يوسف علاونة وعمر خليفة راشد: ترويج الطعن في وعي الحسين رضي الله عنه ووصف حركته بـ«العشوائية والانفعالية»، وتبرئة القتلة من المسؤولية.
- فرقة «العدنانية» وغلاة منصات التواصل: التفاخر الصريح بلقب «ناصبي»، والتردي إلى سب علي وفاطمة والحسنين وابن عباس والإمام الشافعي.
- شذوذات عبد الرحمن دمشقية في ملف النصب: الشماتة بمقتل الإمام النسائي على يد النواصب بدمشق بقوله: «مات ميتة يستحقها»!
رابعًا: الأصول الفاسدة والخصائص الجامعة للنواصب المعاصرين
لماذا يصطدم الناصبي المعاصر حتمًا بصحيح البخاري ومسلم؟
حين أراد الناصبيُّ المعاصر أن يُسقط فضائل عليٍّ وفاطمة والحسنين وعمار رضي الله عنهم، أو أن يزعم أن يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف كانا على الهدى، فوجئ بأن أصحّ كتب الإسلام بعد كتاب الله (صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن الأئمة) طافحةٌ بأحاديث فضائل آل البيت، وبحديث «ويح عمار تقتله الفئة الباغية»، وبأحاديث ذمّ جبابرة ثقيف وظلمة الولاة!
فلم يجد الناصبيُّ المعاصر مخرجًا إلا أن يقتحم معملَ «منكري السنة»؛ فزعم صابر مشهور وطه الدليمي أن «أحاديث فضائل آل البيت دسّها الشيعة في كتب السنة»، وأن «الدولة العباسية زوّرت التاريخ والحديث والتفسير»، وأن «الإمام الحاكم عميلٌ للمشروع البويهي»، وأن «الإمام الذهبي والطبري والألباني روّجوا الأكاذيب»! وبذلك التقى النواصب الجدد مع حركة «تكوين» والحداثيين والروافض في معولٍ واحد: هدم حجية السنة النبوية وإسقاط أئمة الإسلام.
تقديم الهوية السياسية («الأموية القومية») على نصوص الوحيين.
الطعن في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسياسته.
تجريم خروج السبط الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنه ووصفه بـ«البغي والتآمر»!
رد الأحاديث المتواترة والصحاح في فضائل آل البيت وعمار بن ياسر.
نظرية المؤامرة العباسية وتخوين أئمة الحديث والتاريخ (البخاري، مسلم، النسائي، الحاكم، الذهبي، الطبري).
تأليه الحجاج بن يوسف الثقفي وتقديس يزيد بن معاوية فوق منزلته.
البتر المتعمد لنصوص الأئمة والخلط الفاضح بين التراجم والأسانيد.
التخادم الموضوعي مع الرافضة وحركة «تكوين» ومنكري السنة.
خامسًا: ميزان أهل السنة والجماعة — العدل المحض بين الآل والصحب
الفرقان السني بين الذب عن معاوية والوقوع في النصب
إن من أعظم تلبيس النواصب الجدد زعمَهم أن من ردَّ عليهم فقد طعن في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أو مال إلى التشيع! وهذا بهتانٌ يفضحه إجماعُ أهل السنة والجماعة الممتدّ من عصر الصحابة إلى يومنا هذا؛ فإن عقيدة أهل السنة تقوم على الأركان المحكمة الآتية:
- الإجماع على أن الخلفاء الراشدين أربعةٌ مرتبون في الفضل كترتيبهم في الخلافة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم.
- الإجماع على أن عليًّا رضي الله عنه وأصحابه كانوا أولى بالحق في صفين والجمل، مع حفظ عدالة معاوية وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم واعتبارهم مجتهدين مخطئين مغفورًا لهم.
- الإجماع على أن الحسين بن علي رضي الله عنه قُتل مظلومًا شهيدًا، وأن قتلته ومَن رضي بقتله ظلمةٌ فجرةٌ باغون.
- الجمع بين مودة آل البيت الأطهار وموالاة الصحابة الأبرار، وتجريم كل أذىً يلحق عترة النبي صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل.
قال الإمام الذهبي: «ونحبُّ الشجاعَ الصادقَ الشهيدَ السعيدَ عمارَ بنَ ياسر، ونبرأ من قاتليه، ونكلُ أمرَهم إلى الله، ونترضّى عن معاوية، ولا نعتقد عصمتَه» (سير أعلام النبلاء).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: «من لم يربّع بعليٍّ في الخلافة فهو أضلُّ من حمار أهله، ولا تناكحوه» (طبقات الحنابلة).
الخاتمة: سفينة نوح لا تركبها رافضة ولا ناصبة
إن دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه؛ فكما تصدّى أئمةُ أهل السنة والجماعة قرونًا لفرقة الرافضة التي طعنت في الصِّدِّيق والفاروق وذي النورين وأمهات المؤمنين ومعاوية رضي الله عنهم، فإنهم يتصدّون اليوم بالبرهان القاطع والحجة الدامغة لفرقة «النواصب الجُدُد» التي أرادت أن تداوي داء الرفض بداء النَّصْب، فطعنت في الوصيّ والبتول والسبطين وأئمة الحديث؛ لتبقى رايةُ أهل السنة والجماعة بيضاءَ نقيّة، تجمع بين حبّ الصحب وحبّ الآل، وتلقى اللهَ بقلبٍ سليمٍ ولسانٍ طاهر: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
