قَالَ الخَلِيفَةُ العَادِلُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ: «كُنْتُ غُلَامًا أَقْرَأُ القُرْآنَ عَلَى بَعْضِ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَمَرَّ بِي يَوْمًا وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ وَنَحْنُ نَتَنَاوَلُ عَلِيًّا، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ لِي: مَتَى عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ سَخِطَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ بَعْدَ أَنْ رَضِيَ عَنْهُمْ؟ قُلْتُ: فَمَتَى رَضِيَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: يَوْمَ قَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ! فَعَاهَدْتُ اللَّهَ أَلَّا أَذْكُرَ عَلِيًّا إِلَّا بِخَيْرٍ». فَلَمَّا وَلِيَ الخِلَافَةَ أَبْطَلَ سَبَّ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المَنَابِرِ وَجَعَلَ مَكَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾.

البيانلِهَذَا السَّبَبِ تَحْدِيدًا يَحْقِدُ صَابِر مَشْهُور وَالنَّوَاصِبُ الجُدُدُ عَلَى الخَلِيفَةِ الزَّاهِدِ العَادِلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ (وهوَ أُمَوِيٌّ مَرْوَانِيٌّ قُرَشِيٌّ حَفِيدُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ)! لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ طَهَّرَ مَنَابِرَ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ مِنْ بِدْعَةِ النَّلِ مِنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَدَّ المَظَالِمَ إِلَى آلِ البَيْتِ وَسَائِرِ المُسْلِمِينَ، وَعَزَلَ وُلَاةَ الجَوْرِ مِنْ صَنَائِعِ الحَجَّاج!

فَانْظُرْ إِلَى المَوْقِفِ الأُمَوِيِّ الرَّاشِدِ الَّذِي مَثَّلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وَأَطْبَقَتِ الأُمَّةُ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَقَارِنْهُ بِسَفَاهَةِ صَابِر مَشْهُور الَّذِي يَطْعَنُ فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ أَسْقَطَ الدَّوْلَةَ الأُمَوِيَّةَ بِعَدْلِهِ وَإِنْصَافِهِ لِآلِ البَيْت!

قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَكَى حَتَّى اخْتَلَجَ صَدْرُهُ وَقَالَ: «وَا ذُلَّ أُمَّةٍ قَتَلَ دَعِيُّهَا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهَا! أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أُصِيبَ بِالحُسَيْنِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثُمَّ سَأَلُوا اللَّهَ بِهِ لَسَقَاهُمُ الغَيْثَ!». وَقَالَ فِي الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: «هُوَ عَذَابٌ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا عَذَابَ اللَّهِ بِالسَّيْفِ وَلَكِنْ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّضَرُّعِ» وَقَالَ حِينَ مَاتَ الحَجَّاجُ: «اللَّهُمَّ أَمِتْ سُنَّتَهُ كَمَا أَمَتَّهُ!».

البيانالحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ — سَيِّدُ التَّابِعِينَ وَإِمَامُ أَهْلِ البَصْرَةِ الَّذِي كَانَ يَنْهَى عَنِ الخُرُوجِ بِالسَّيْفِ فِي الفِتَنِ (كefتنةِ ابْنِ الأَشْعَثِ) — انْظُرْ كَيْفَ يَجْمَعُ فِي فِقْهِهِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ فِتْنَةِ السَّيْفِ وَبَيْنَ البُكَاءِ الحَارِّ عَلَى الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَتَجْرِيمِ قَاتِلِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ («قَتَلَ دَعِيُّهَا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهَا») وَالدُّعَاءِ عَلَى سُنَّةِ الحَجَّاجِ الظَّالِمَة!

هَذَا هُوَ الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَ «فِقْهِ السَّلَفِ فِي تَحْرِيمِ الفِتَنِ» وَبَيْنَ «نَصْبِ الغُلَاةِ فِي تَبْرِئَةِ الجَلَّادِينَ وَالشَّمَاتَةِ بِالمَظْلُومِينَ»؛ فَالنَّاصِبِيُّ الجَدِيدُ يَسْرِقُ كَلَامَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنِ الخُرُوجِ، ثُمَّ يَقْلِبُهُ سِكِّينًا يَذْبَحُ بِهَا عِرْضَ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي بَكَى عَلَيْهِ الحَسَنُ وَابْنُ عُمَرَ دَمًا!

قَالَ الإِمَامُ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَحِبْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكَ، وَلَا تَكُنْ رَافِضِيًّا! وَاعْلَمْ أَنَّ مَا عَمِلُوا مِنْ حَسَنٍ فَلَيْسَ لَكَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمَا عَمِلُوا مِنْ سَيِّئٍ فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ». وَقَالَ: «لَوْ أَرَدْتُ أَنْ يُعْطُونِي رِقَابَهُمْ عَبِيدًا أَوْ يَمْلَؤُوا لِي بَيْتِي ذَهَبًا عَلَى أَنْ أَكْذِبَ لَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ حَدِيثًا وَاحِدًا لَفَعَلُوا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ عَلَى عَلِيٍّ أَبَدًا!».

البيانقَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ الكُوفَةِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَخْتَصِرُ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي سَطْرٍ وَاحِد: «أَحِبْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكَ، وَلَا تَكُنْ رَافِضِيًّا»؛ وَيُقَالُ لِنَوَاصِبِ عَصْرِنَا عَلَى وَزْنِهَا: «أَحِبْ أَصْحَابَ نَبِيِّكَ، وَلَا تَكُنْ نَاصِبِيًّا»!

وَانْظُرْ إِلَى شَهَادَةِ الشَّعْبِيِّ العَظِيمَةِ فِي أَمَانَةِ أَئِمَّةِ الكُوفَةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَصَدِّيهِمْ لِأَكَاذِيبِ الغُلَاةِ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وَهِيَ شَهَادَةٌ تَنْسِفُ دَعْوَى طَهَ الدُّلَيْمِيّ وَصَابِر مَشْهُور اللَّذَيْنِ يَزْعُمَانِ أَنَّ مَدْرَسَةَ الحَدِيثِ فِي الكُوفَةِ كَانَتْ مَصْنَعًا لِلتَّزْوِيرِ الشِّيعِيِّ، وَمَا عَلِمَا أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ فِي الكُوفَةِ كَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ فَضْحًا لِلكَذَّابِينَ وَحِفْظًا لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ!

قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ حِينَ رَمَاهُ بَعْضُ الجَفَاةِ بِالتَّشَيُّعِ لِمَحَبَّتِهِ آلَ البَيْتِ: «إِنْ كَانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّي رَافِضِي!»، وَقَالَ: «يَا آلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ حُبُّكُمُ ... فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ فِي القُرْآنِ أَنْزَلَهُ، يَكْفِيكُمُ مِنْ عَظِيمِ الفَخْرِ أَنَّكُمُ ... مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ!». وَقَالَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَمُقَاتِلِيهِ: «أَخَذْنَا سِيرَةَ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ مِنْ سِيرَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ».

البيانلَمْ يَسْلَمْ نَاصِرُ السُّنَّةِ وَالإِمَامُ المُطَّلِبِيُّ القُرَشِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّوَاصِبِ فِي عَصْرِهِ وَفِي عَصْرِنَا! فَفِي عَصْرِهِ لَمَّا رَأَوْا إِجْلَالَهُ لِآلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَزُوهُ بِـ«الرَّفْضِ»، فَأَنْشَدَ بَيْتَهُ السَّائِرَ تَبْكِيتًا لِجَفَائِهِمْ؛ وَفِي عَصْرِنَا خَرَجَ غُلَاةُ «الفِرْقَةِ العَدْنَانِيَّةِ» النَّاصِبِيَّةِ يَطْعَنُونَ فِي الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِ هَذِهِ الأَبْيَاتِ نَفْسِهَا وَبِسَبَبِ تَأْصِيلِهِ لِأَحْكَامِ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ مِنْ سِيرَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!

وَاعْلَمْ أَنَّ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ نَفْسَهُ هُوَ القَائِلُ: «أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ»، وَهُوَ القَائِلُ: «لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ أَصْحَابِ الأَهْوَاءِ أَشْهَدَ بِالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ»! فَجَمَعَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ البَرَاءَةِ مِنَ الرَّفْضِ الكَذُوبِ وَبَيْنَ فَرْضِ المَحَبَّةِ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

قَالَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْخِلَافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ! وَلَا تُنَاكِحُوهُ وَلَا تُكَلِّمُوهُ». وَقَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ في الخِلَافَةِ»، وَقَالَ: «مَا جَاءَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفَضَائِلِ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ مَا جَاءَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!».

البيانهَذِهِ صَاعِقَةٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَنْزِلُ عَلَى رُؤُوسِ وِسَام الْعَظْمَة وَصَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ: «مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الخِلَافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ»! وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «مَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ، وَعَلِيٌّ هُوَ الَّذِي زَانَ الخِلَافَةَ وَمَا زَانَتْهُ الخِلَافَةُ»!

وَانْظُرْ إِلَى شَهَادَتِهِ الحَدِيثِيَّةِ العُظْمَى — وَهُوَ إِمَامُ المُحَدِّثِينَ وَحَافِظُ المِلْيُونِ حَدِيثٍ وصَاحِبُ المُسْنَدِ وَكتابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ —: «مَا جَاءَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الفَضَائِلِ بِالأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ مَا جَاءَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»! فَمَاذَا يَقُولُ النَّوَاصِبُ الجُدُدُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَحَادِيثَ فَضَائِلِ عَلِيٍّ مِنْ وَضْعِ الكُوفِيِّينَ وَالعَبَّاسِيِّينَ؟ أَكَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ — الَّذِي جَلَدَهُ العَبَّاسِيُّونَ بِالسِّيَاطِ — عَمِيلًا لِلْعَبَّاسِيِّينَ أَوْ جَاهِلًا بِالأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ حَتَّى يَأْتِيَ صَحَفِيٌّ جَاهِلٌ لِيُعَلِّمَهُ الجَرْحَ وَالتَّعْدِيل؟!

قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلَهُ ابْنُهُ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ فَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ يُحِبُّونَ يَزِيدَ! فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «يَا بُنَيَّ، وَهَلْ يُحِبُّ يَزِيدَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؟!» فَقَالَ صَالِحٌ: يَا أَبَتِ، فَلِمَاذَا لَا تَلْعَنُهُ؟ قَالَ: «يَا بُنَيَّ، وَمَتَى رَأَيْتَ أَبَاكَ يَلْعَنُ أَحَدًا؟!».

البيانفِي هَذِهِ المُحَاوَرَةِ البَدِيعَةِ بَيْنَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِهِ صَالِحٍ يَتَجَلَّى المِيزَانُ السُّنِّيُّ الدَّقِيقُ الَّذِي حَكَاهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي «الوَاسِطِيَّةِ» وَ«مِنْهَاجِ السُّنَّةِ» وَ«وَصِيَّتِهِ الكُبْرَى»: أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ «لَا يُسَبُّ وَلَا يُحَبُّ»!

لَا يُلْعَنُ بِعَيْنِهِ كَمَا تَفْعَلُ الرَّافِضَةُ لِأَنَّ السَّلَفَ كَرِهُوا لَعْنَ المُعَيَّنِ مِمَّنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ؛ وَلَا يُحَبُّ وَلَا يُمَدَحُ كَمَا يَفْعَلُ النَّوَاصِبُ لِأَنَّ المحَبَّةَ الخَاصَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَيَزِيدُ قَدْ جَرَى فِي إِمَارَتِهِ قَتْلُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ بِكَرْبَلَاءَ وَاسْتِبَاحَةُ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يَوْمَ الحَرَّةِ! فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: «وَهَلْ يُحِبُّ يَزِيدَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؟!»، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى صَابِر مَشْهُور الَّذِي جَعَلَ يَزِيدَ «الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ السَّادِسَ»!

قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا حَقٌّ، وَالقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا القُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى وَهُمْ زَنَادِقَةٌ!».

البيانكَثِيرًا مَا يَسْتَشْهِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ بِهَذِهِ المَقُولَةِ الذَّهَبِيَّةِ لِأَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ، وَلَكِنْ تَأَمَّلْ كَيْفَ تَنْطَبِقُ بِحَذَافِيرِهَا عَلَى النَّوَاصِبِ الجُدُدِ مِنْ أَمْثَالِ صَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَالفِرْقَةِ العَدْنَانِيَّة!

أَلَيْسَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَفَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ، وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُمْ فِي طَلِيعَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! وَأَلَيْسَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَالذَّهَبِيُّ هُمُ الشُّهُودَ الَّذِينَ نَقَلُوا لَنَا سُنَنَ الصَّحَابَةِ؟! فَمَنِ انْتَقَصَ عَلِيًّا وَالحُسَيْنَ وَعَمَّارًا وَطَعَنَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقَدْ جَرَحَ شُهُودَ الإِسْلَامِ لِيُبْطِلَ السُّنَّةَ، فَالْجَرْحُ بِهِ أَوْلَى!

قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ وَالمِزِّيُّ: «دَخَلَ الإِمَامُ النَّسَائِيُّ دِمَشْقَ فَرَأَى فِيهَا انْحِرَافًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَصَنَّفَ كِتَابَ (الخَصَائِصِ فِي فَضْلِ عَلِيٍّ وأهل البيت) رَجَاءَ أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ؛ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِفَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: أَمَا يَرْضَى رَأْسًا بِرَأْسٍ حَتَّى يُفَضَّلَ؟! فَمَا زَالُوا يَدْفَعُونَهُ وَيَطَؤُونَهُ حَتَّى أُخْرِجَ مِنَ المَسْجِدِ مَحْمُولًا، فَمَاتَ شَهِيدًا رَحِمَهُ اللَّهُ!».

البيانمَشْهَدٌ تَارِيخِيٌّ مَهِيبٌ يَكْشِفُ طَبِيعَةَ الغَوْغَاءِ النَّوَاصِبِ فِي كُلِّ زَمَان: إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الأَعْلَامِ — أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ صَاحِبُ «السُّنَنِ» أَحَدِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، الَّذِي كَانَ يَصُومُ صَوْمَ دَاوُدَ وَيُجَاهِدُ فِي الثُّغُورِ — يَدْخُلُ دِمَشْقَ فَيَرَى بَقَايَا جَفَاءٍ نَاصِبِيٍّ تِجَاهَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَيُصَنِّفُ كِتَابَ «خَصَائِصِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ» بِالأَسَانِيدِ الجِيَادِ نُصْحًا لِلْأُمَّةِ؛ فَمَاذَا فَعَلَ بِهِ جُهَّالُ النَّوَاصِبِ؟ ضَرَبُوهُ فِي المَسْجِدِ وَوَطِئُوا خُصْيَتَيْهِ حَتَّى مَاتَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ الذَّبِّ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَفَضْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!

وَمِنْ أَقْبَحِ مَا سُجِّلَ فِي عَصْرِنَا أَنْ يَخْرُجَ بَعْضُ مَنِ اسْتَهْوَاهُ النَّفَسُ النَّاصِبِيُّ — كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ دِمَشْقِيَّةَ فِي مَقْطَعٍ مَشْهُورٍ رَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَشَايِخُ السُّنَّةِ كَأَبِي مَالِكٍ التلبنتي وَأَبِي عُمَرَ البَاحِثِ — لِيَشْمَتَ بِمَقْتَلِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ قَائِلًا: «مَاتَ مِيتَةً يَسْتَحِقُّهَا»! أَيَسْتَحِقُّ إِمَامُ الحَدِيثِ القَتْلَ وَالدَّوْسَ بِالأَقْدَامِ لِأَنَّهُ رَوَى أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ فِي فَضْلِ عَلِيٍّ وَامْتَنَعَ مِنْ تَفْضِيلِ مُعَاوِيَةَ عَلَيْه؟!

قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نُفْرِطُ فِي حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُمْ وَبِغَيْرِ الْخَيْرِ يَذْكُرُهُمْ، وَلَا نَذْكُرُهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَحُبُّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ. وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ... ثُمَّ لِعُمَرَ... ثُمَّ لِعُثْمَانَ... ثُمَّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ».

البيانهَذَا هُوَ الإِجْمَاعُ القَاطِعُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمُ الفِقْهِيَّةِ وَأَمْصَارِهِم: «لَا نُفْرِطُ فِي حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ (كَمَا تَفْعَلُ الرَّافِضَةُ)، وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ (كَمَا تَفْعَلُ النَّوَاصِبُ وَالخَوَارِجُ وَالرَّافِضَةُ)»!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ خِلَافَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الاعْتِقَادِ السُّنِّيِّ، وَشَهِدَ لِلْأَرْبَعَةِ بِأَنَّهُمُ «الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالأَئِمَّةُ المَهْدِيُّونَ»؛ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا حَكَمَ بِالتَّغَلُّبِ أَوْ أَنَّ خِلَافَتَهُ بَاطِلَةٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ!

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ، وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: (أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)، وَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي)... وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ، وَمِنْ طَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ».

البيانهَذَا النَّصُّ مِنْ «العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ» لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ الدُّسْتُورُ العَقَدِيُّ الَّذِي يُدَرَّسُ فِي جَمِيعِ مَعَاهِدِ وَجَامِعَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي المَشْرِقِ وَالمَغْرِب! انْظُرْ كَيْفَ اسْتَدَلَّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ نَفْسُهُ بِحَدِيثِ «غَدِيرِ خُمٍّ» الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ («أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي») عَلَى وُجُوبِ مَحَبَّةِ آلِ البَيْتِ وَمُوَالَاتِهِمْ!

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى تَعْرِيفِهِ الجَامِعِ الدَّقِيقِ لِلطَّرِيقَةِ النَّاصِبِيَّةِ الَّتِي يَتَبَرَّأُ مِنْهَا أَهْلُ السُّنَّة: «وَمِنْ طَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ البَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ»! لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي كَوْنِ الرَّجُلِ نَاصِبِيًّا أَنْ يُكَفِّرَ عَلِيًّا صَرَاحَةً فَحَسْبُ، بَلْ كُلُّ مَنْ آذَى أَهْلَ البَيْتِ «بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ» — كَطَعْنِ مَشْهُور فِي أَحَادِيثِ فَاطِمَةَ، وَاسْتِحْسَانِ الدُّلَيْمِيِّ لِشَتْمِ عَلِيٍّ، وَاتِّهَامِ العَظْمَةِ لِلْحُسَيْنِ بِالتَّآمُرِ مَعَ الفُرْسِ — فَهُوَ سَالِكٌ طَرِيقَةَ النَّوَاصِبِ الَّتِي تَبَرَّأَ مِنْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَة!