قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ».

البيانفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ البَاهِرِ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ ثَلَاثُ صَوَاعِقَ تَدُكُّ مَعَاقِلَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ جَمِيعًا:

الأُولَى: إِثْبَاتُ السِّيَادَةِ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالثَّنَاءُ النَّبَوِيُّ عَلَى صَنِيعِهِ فِي حَقْنِ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ عَامَ الجَمَاعَةِ (41هـ). وَالثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْفِئَتَيْنِ جَمِيعًا — فِئَةِ العِرَاقِ (جَيْشِ عَلِيٍّ وَالحَسَنِ) وَفِئَةِ الشَّامِ (جَيْشِ مُعَاوِيَةَ) — بِالإِسْلَامِ وَالعِظَمِ («بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ»)؛ فَبَطَلَ تَكْفِيرُ الرَّافِضَةِ لِمُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَبَطَلَ تَخْوِينُ النَّوَاصِبِ لِجَيْشِ عَلِيٍّ وَالحَسَنِ وَوَصْفُهُمْ لَهُ بِـ«الجَيْشِ السَّبَئِيّ»! وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ خِلَافَةَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ هِيَ تَمَامُ الثَّلَاثِينَ سَنَةً مِنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ الرَّاشِدَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ المُلْكُ الأُمَوِيُّ!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ عَمَّارٌ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ».

البيانقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالكَتَّانِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيُّ: هَذَا الحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَحُذَيْفَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ العَاصِ وَنَحْوٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا!

وَمَعْنَاهُ صَرِيحٌ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ عِنْدَ جَمِيعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّة: أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ فِي جَيْشِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ صِفِّينَ يَدْعُو أَهْلَ الشَّامِ إِلَى طَاعَةِ الإِمَامِ الشَّرْعِيِّ وَالجَمَاعَةِ (وَهِيَ الجَنَّةُ)، وَأَنَّ مقاتليه كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى فُرْقَةِ الكَلِمَةِ وَالخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ الحَقِّ (مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَأَوِّلِينَ مَعْذُورِينَ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ)، فَقَتَلَتْهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَوْمَ صِفِّين! فَلَمَّا عَجَزَ صَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة عَنْ لَيِّ عُنُقِ هَذَا النَّصِّ القَاطِعِ، لَجَؤُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَوْ تَرْدِيدِ الشُّبْهَةِ النَّاصِبِيَّةِ المَرْدُودَةِ: «إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ جَاءَ بِهِ»؛ وَهِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَفْحَمَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: «إِذَنْ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةَ حِينَ أَخْرَجَهُ إِلَى أُحُد!»

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ — أَوْ مُلْكَهُ — مَنْ يَشَاءُ». قَالَ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَعُمَرَ عَشْرًا، وَعُثْمَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعَلِيٍّ سِتًّا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ: فَقُلْتُ لِسَفِينَةَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ! قَالَ: «كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ — يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ —!».

البياناقْرَأْ هَذَا الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الْمُعْجِزَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِتَرَى كَيْفَ يَهْدِمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَصْلَيْنِ مِنْ أُصُولِ النَّوَاصِبِ الْجُدُد:

الأَوَّل: إِثْبَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خِلَافَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِهِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هِيَ «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ» الرَّاشِدَةُ المُكَمِّلَةُ لِلثَّلَاثِينَ سَنَةً قَطْعًا؛ وَانْظُرْ إِلَى غَضْبَةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَوَاصِبِ عَصْرِهِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ عَلِيًّا لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ شَرْعِيٍّ (وَهُوَ عَيْنُ مَا يُرَدِّدُهُ وِسَام الْعَظْمَة الْيَوْمَ!). وَالثَّانِي: أَنَّ مَا بَعْدَ عَامِ الجَمَاعَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ هُوَ «مُلْكٌ» لَا «خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ»؛ فَكَانَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلَ ملوك الإِسْلَامِ وَخَيْرَهُمْ، وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَمَلِكٌ جَرَتْ فِي مُلْكِهِ الفَوَاجِعُ؛ فَمَنْ سَمَّى يَزِيدَ «الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ السَّادِسَ» كَمَا صَنَعَ صَابِر مَشْهُور، فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ حِينَ قَتَلَ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ!»، فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا.

البيانفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَقِفُ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ — وَهِيَ ابْنَةُ مِائَةِ عَامٍ قَدْ كُفَّ بَصَرُهَا — فِي وَجْهِ الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ بَعْدَ أَنْ صَلَبَ وَلَدَهَا الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَتَصُكُّ وَجْهَهُ بِنُبُوءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا»؛ فَالكَذَّابُ هُوَ المُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالمُبِيرُ (أَيِ المُهْلِكُ السَّفَّاكُ لِلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ) هُوَ الحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ!

ثُمَّ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ صَابِر مَشْهُور وَيُوسُف عَلَاوْنَة لِيَتَغَنَّيَا بِالحَجَّاجِ وَيَزْعُمَا أَنَّهُ «المُفْتَرَى عَلَيْهِ الَّذِي أَنْقَذَ القُرْآنَ وَالإِسْلَامَ»! أَفَنُصَدِّقُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنَ عُمَرَ وَالحَسَنَ البَصْرِيَّ وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، أَمْ نُصَدِّقُ حَكَوَاتِيًّا يَسْتَجْدِي المُشَاهَدَاتِ بِتَمْجِيدِ الجَلَّادِينَ؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».

البيانهَذِهِ شَهَادَةُ النُّبُوَّةِ المُطْلَقَةُ بِالخَيْرِيَّةِ وَالأَمَانَةِ لِلْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ المُفَضَّلَة: قَرْنِ الصَّحَابَةِ، فَقَرْنِ التَّابِعِينَ، فَقَرْنِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (وَهُوَ القَرْنُ الَّذِي دُوِّنَتْ فِيهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى يَدِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ المُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ)!

فَحِينَ يَخْرُجُ صَابِر مَشْهُور لِيَزْعُمَ أَنَّ «الدِّينَ الإِسْلَامِيَّ وَالأَحَادِيثَ وَالتَّفْسِيرَ قَدْ زُوِّرَتْ فِي العَصْرِ العَبَّاسِيِّ الأَوَّلِ»، فَإِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ يَطْعَنُ فِي القُرُونِ المَفَضَّلَةِ الَّتِي زَكَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَتَّهِمُ خَيْرَ أَجْيَالِ الأُمَّةِ بِالتَّوَاطُؤِ عَلَى الكَذِبِ أَوِ الغَفْلَةِ عَنْ تَحْرِيفِ الدِّين! وَهَذَا وَاللَّهِ هَدْمٌ لِلْإِسْلَامِ مِنْ قَوَاعِدِهِ لَا يَخْتَلِفُ عَنْ مَسْلَكِ الزَّنَادِقَةِ وَالمُسْتَشْرِقِين!

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ». وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي».

البيانكَلِمَاتٌ مِنْ نُورٍ خَلَّدَهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ صِدِّيقِ الأُمَّةِ وَخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ»؛ أَيْ احْفَظُوهُ فِيهِمْ، فَلَا تُؤْذُوهُمْ وَلَا تَجْفُوهُمْ وَلَا تَبْخَسُوهُمْ حَقَّهُمْ!

وَانْظُرْ إِلَى قَسَمِهِ العَظِيمِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي»! هَذَا هُوَ دِينُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الحَقَّةُ الَّتِي تَصْفَعُ الرَّافِضِيَّ وَالنَّاصِبِيَّ مَعًا؛ فَالرَّافِضِيُّ يَفْتَرِي عَلَى الصِّدِّيقِ أَنَّهُ ظَلَمَ آلَ البَيْتِ، وَالنَّاصِبِيُّ الجَدِيدُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْتَصِرُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِنَفْيِ فَضَائِلِ آلِ البَيْتِ وَالطَّعْنِ فِي عَلِيٍّ وَالحُسَيْنِ! فَإِذَا الصِّدِّيقُ نَفْسُهُ هُوَ أَوَّلُ خَصْمٍ لِلنَّوَاصِبِ يَوْمَ القِيَامَةِ!

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ». وَفَرَضَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي الدِّيوَانِ مِثْلَ فَرِيضَةِ أَبِيهِمَا عَلِيٍّ مَعَ أَهْلِ بَدْرٍ؛ لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

البيانهَذَا هُوَ الفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُقَدِّمُ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِيهِ الخَطَّابِ، وَيَبْدَأُ دِيوَانَ العَطَاءِ بِبَنِي هَاشِمٍ قَبْلَ قَوْمِهِ بَنِي عَدِيٍّ، وَيُلْحِقُ السِّبْطَيْنِ الشَّابَّيْنِ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ بِفَرِيضَةِ أَهْلِ بَدْرٍ (خَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ) قَبْلَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَيَتَزَوَّجُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَغْبَةً فِي الصِّهْرِ النَّبَوِيِّ، وَيَقُولُ: «لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَر»!

فَيَا أَيُّهَا النَّاصِبِيُّ المَفْتُونُ بِـ«القَوْمِيَّةِ الأُمَوِيَّةِ» المَزْعُومَة: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ فِقْهِ عُمَرَ الفَارُوقِ وَعَدْلِهِ وَتَعْظِيمِهِ لِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ». وَقَالَ فِي أَهْلِ الجَمَلِ وَصِفِّينَ حِينَ سُئِلَ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَالَ: «مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا»، قِيلَ: أَفَمُنَافِقُونَ هُمْ؟ قَالَ: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»، قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: «إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا».

البيانيَا لَلْعَظَمَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي مَدْرَسَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ! يَصْعَدُ مِنْبَرَ الكُوفَةِ — عَاصِمَةِ خِلَافَتِهِ وَمَعْقِلِ جَيْشِهِ — فَيُقَرِّرُ تَوَاتُرًا عَنْهُ أَنَّ خَيْرَ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ (كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ وَتَوَاتَرَ عَنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا عَنْ عَلِيٍّ)، وَيَتَوَعَّدُ بِجَلْدِ المُفْتَرِي مَنْ فَضَّلَهُ عَلَى الشَّيْخَيْن!

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى إِنْصَافِهِ العَظِيمِ لِمُقَاتِلِيهِ فِي الجَمَلِ وَصِفِّين: يَأْبَى تَكْفِيرَهُمْ أَوْ تَفْسِيقَهُمْ أَوْ سَبْيَ ذَرَارِيهِمْ، وَيُصَلِّي عَلَى قَتْلَاهُمْ، وَيَصِفُهُمْ بِقَوْلِهِ الجامعِ المَانِعِ الموافقِ لِآيَةِ الحُجُرَاتِ وَحَدِيثِ عَمَّار: «إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا»! فَهَدمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكَلِمَتَيْنِ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ (فِي تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ) وَمَذْهَبَ النَّوَاصِبِ (فِي إِنْكَارِ بَغْيِ مقاتليه عَلَيْهِ)!

قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ الكِنَانِيِّ: «صِفْ لِي عَلِيًّا»، فَلَمَّا وَصَفَ لَهُ عِلْمَهُ وَزُهْدَهُ وَقِيَامَهُ اللَّيْلَ وَخُشُوعَهُ، بَكَى مُعَاوِيَةُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ وَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ، كَانَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ! فَكَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهِ يَا ضِرَارُ؟» قَالَ: حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرِهَا! وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَكْتُبُ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنَ النَّوَازِلِ لِيَسْأَلَ عَنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ فِيهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُهُ قَالَ: «ذَهَبَ الفِقْهُ وَالعِلْمُ بِمَوْتِ ابْنِ أَبِي طَالِب!».

البيانهَذِهِ الحَقِيقَةُ الَّتِي يَكْتُمُهَا النَّوَاصِبُ الجُدُدُ الَّذِينَ يَتَمَسَّحُونَ بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَدَّعِ قَطُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ وَلَا مِثْلُهُ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِي أَصْلِ اسْتِحْقَاقِ الخِلَافَةِ، بَلْ كَانَ يُقِرُّ بِفَضْلِ عَلِيٍّ وَسَابِقَتِهِ وَفِقْهِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الخِلَافُ فِي تَعْجِيلِ القِصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الطَّاعَة!

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ وَشَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «لَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ وَمَنْ مَعَهُ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِالأَمْرِ مِنْ عَلِيٍّ، بَلْ كَانُوا يُقِرُّونَ لَهُ بِالفَضْلِ وَالسَّابِقَةِ». فَيَا أَدْعِيَاءَ «الأُمَوِيَّةِ الجَدِيدَةِ» مَنْ أَنْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا أُمَوِيِّينَ أَكْثَرَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَفْسِهِ، فَتَجْحَدُوا مَا أَقَرَّ بِهِ مُعَاوِيَةُ وَبَكَى لِذِكْرِهِ؟!

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ عَنْ دَمِ البَعُوضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فِي الإِحْرَامِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا! يَسْأَلُ عَنْ دَمِ البَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا». وَقَالَ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ حِينَ خَطَبَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَطَعَنَ فِي ابْنِ الزُّبَيْرِ: «إِنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يُحَرِّفْ كِتَابَ اللَّهِ، بَلْ كَانَ قَوَّامًا صَوَّامًا يَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ!».

البيانعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا — الَّذِي يَتَمَسَّحُ النَّوَاصِبُ بِمَوْقِفِهِ فِي كَفِّ اليَدِ عَنِ الفِتَنِ وَمَنْعِ الخُرُوجِ — انْظُرْ كَيْفَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى قَتْلِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ! هَلْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّ الحُسَيْنَ «خَارِجِيٌّ شَقَّ عَصَا الطَّاعَةِ فَقُتِلَ بِسَيْفِ الشَّرْعِ» كَمَا يَهْذِي وِسَام الْعَظْمَة؟! كَلَّا وَاللَّهِ! بَلْ جَعَلَ قَتْلَ الحُسَيْنِ أَعْظَمَ الجَرَائِمِ، وَقَرَعَ أَهْلَ العِرَاقِ بِقَوْلِهِ: «وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا»!

وَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَصْدَعُ بِالحَقِّ فِي وَجْهِ الحَجَّاجِ الظَّالِمِ الغَشُومِ ذَابًّا عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا! فَأَيْنَ هَذَا المِيزَانُ النَّبَوِيُّ العَادِلُ مِنْ تَطْفِيفِ النَّوَاصِبِ الجُدُدِ الَّذِينَ يُجَرِّمُونَ الحُسَيْنَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ وَيُمَجِّدُونَ الحَجَّاجَ وَابْنَ زِيَاد؟!