بصائر

الْوَحْيُ يَحْكُم، وَالصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُون

يَا مَنْ يَزْعُمُ نُصْرَةَ السُّنَّةِ وَيَسْتَثْقِلُ ذِكْرَ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّة: لَا نَبْدَأُ مَعَكَ بِخُصُومَةٍ سِيَاسِيَّة، وَلَا نُحَاكِمُكَ إِلَى دِيوَانِ الْمُلُوك؛ بَلْ نَبْدَأُ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ رَدَّه: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّه، وَحَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن. فَإِنْ سَلَّمْتَ لَهَا عَرَفْتَ أَنَّ النَّصْبَ هَدْمٌ لِلدِّين، وَإِنْ رَدَدْتَهَا فَقَدْ خَاصَمْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُخَاصِمَنَا!

37 نقلًا37 مصدرًا

هَذَا الْبَابُ مِيزَانٌ مَنْصُوبٌ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ طَالِبِ حَقّ: يَبْدَأُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتِ فِي أَصَحِّ دَوَاوِينِ الْإِسْلَام، ثُمَّ يَثْنِي بِشَهَادَاتِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَسَائِرِ الصَّحَابَة، ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ حَجَر.

وَتَحْتَ كُلِّ نَصٍّ «بَيَان»؛ يَكْشِفُ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَيُحَطِّمُ الشُّبْهَةَ الْمُعَاصِرَةَ الَّتِي يَنْفُثُهَا أَدْعِيَاءُ التَّارِيخِ كَصَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَأَضْرَابِهِمْ، لِيَعْلَمَ الْقَارِئُ أَنَّ مَعْرَكَةَ النَّوَاصِبِ الْجُدُدِ لَيْسَتْ مَعَ الرَّافِضَةِ، بَلْ هِيَ مَعَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَمَعَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة!

وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ «مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِفَضَائِلِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَا نَطَقَ بِهِ فَمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم».

عُرضت 14 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

البيانقِفْ خَاشِعًا أَمَامَ هَذَا النَّصِّ الْإِلَهِيِّ الْبَاهِر: إِرَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَكَرَامَةٌ رَبَّانِيَّةٌ اخْتَصَّ اللَّهُ بِهَا بَيْتَ النُّبُوَّةِ الطَّاهِرَ؛ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّاتِي جَاءَ السِّيَاقُ فِيهِنَّ ابْتِدَاءً، وَقَرَابَتَهُ الَّذِينَ جَلَّلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكِسَاءِ (عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ) كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا!

تَأَمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ الْوَحْيُ بَيْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ فِي مِشْكَاةِ التَّطْهِير؛ فَجَاءَ الرَّافِضِيُّ فَأَخْرَجَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِه، وَجَاءَ النَّاصِبِيُّ الْجَدِيدُ فَطَعَنَ فِي حَدِيثِ الْكِسَاءِ وَاسْتَثْقَلَ دُخُولَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَيْنِ فِي الْآيَة، وَمَا عَلِمَ الْفَرِيقَانِ أَنَّ مَنْ شَطَرَ بَيْتَ النُّبُوَّةِ نِصْفَيْنِ فَقَدْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ!

وَمِنْ أَعْجَبِ دَلَائِلِ الْإِنْصَافِ السُّنِّيِّ أَنَّ رَاوِيَةَ حَدِيثِ الْكِسَاءِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ هِيَ الصِّدِّيقَةُ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ فَبِأَيِّ وَجْهٍ يَزْعُمُ صَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ أَنَّ أَحَادِيثَ فَضَائِلِ أَهْلِ الْكِسَاءِ مِنْ وَضْعِ الْكُوفِيِّينَ أَوِ الْعَبَّاسِيِّينَ؟!

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.

البياناتَّفَقَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؛ سَوَاءٌ فُسِّرَتْ بِتَذْكِيرِ قُرَيْشٍ بِأَوَاصِرِ الرَّحِمِ الَّتِي تَجْمَعُهُمْ بِهِ فِي كُلِّ بَطْنٍ مِنْ بُطُونِهَا كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَمْ بِوَصِيَّةِ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً بِمَوَدَّةِ ذَوِي قُرْبَاهُ وَإِكْرَامِهِمْ كَمَا قَرَّرَهُ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ؛ فَالْمَعْنَيَانِ حَقٌّ مُتَلَازِمَانِ لَا يَتَعَارَضَان!

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَلِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأُمَّةِ مِنَ الْحَقِّ مَا لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، وَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ سَائِرُ بُطُونِ قُرَيْش»؛ فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ يَسْخَرُ مِنْ مَحَبَّةِ آلِ الْبَيْتِ أَوْ يَسِمُ مَنْ يَذْكُرُ فَضَائِلَهُمْ بِـ«التَّشَيُّعِ الْعَاطِفِيّ» كَمَا يَفْعَلُ الدُّلَيْمِيُّ وَالْعَظْمَةُ، فَقَدْ جَحَدَ حَقًّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُه!

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

البيانتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ قِسْمًا ثَالِثًا لَا رَابِعَ لَهُمْ فِي الْإِيمَان: هُمُ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلسَّابِقِينَ جَمِيعًا، وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ طَهَارَةَ قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلِّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ!

وَمِنْ بَدَائِعِ اسْتِنْبَاطِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَيْسَ لَهُ فِي الْفَيْءِ حَقٌّ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْآيَة، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ! فَالرَّافِضِيُّ وَالنَّاصِبِيُّ شَرِيكَانِ فِي خَسَارَةِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَلَأَ قَلْبَهُ غِلًّا لِطَائِفَةٍ مِنْ سَادَاتِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي».

البيانثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُكَرِّرُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوَدِّعُ أُمَّتَهُ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ خُمّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»! وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِأَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، لَا فِي كُتُبِ الْقُصَّاصِ وَلَا فِي دَوَاوِينِ الرَّافِضَة!

تَأَمَّلِ الْفَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ زِيَادَاتِ الْغُلَاةِ: فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالِاسْتِمْسَاكِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَحْدَهُ مَصْدَرًا لِلْهُدَى وَالتَّشْرِيع، ثُمَّ أَوْصَى بِأَهْلِ بَيْتِهِ تَذْكِيرًا بِاللَّهِ فِي حِفْظِ حَقِّهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُمْ! فَأَهْلُ السُّنَّةِ عَمِلُوا بِالثَّقَلَيْنِ مَعًا: اتَّبَعُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَحَفِظُوا وَصِيَّةَ نَبِيِّهِمْ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، بَيْنَمَا جَاءَ النَّوَاصِبُ الْجُدُدُ فَخَانُوا الْوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ وَسَلَّطُوا أَلْسِنَتَهُمْ عَلَى سَادَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ طَعْنًا وَتَشْكِيكًا!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي» وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا». وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟».

البيانهَذَانِ حَدِيثَانِ فِي الذِّرْوَةِ العُلْيَا مِنَ الصِّحَّةِ فِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، رَوَاهُمَا المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَأُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ يَشْهَدَانِ بِأَنَّ الزَّهْرَاءَ البَتُولَ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَبَضْعَةُ النَّبِيِّ الَّتِي يُؤْذِيهِ مَا يُؤْذِيهَا!

وَمَعَ ذَلِكَ خَرَجَ صَابِر مَشْهُور بِكُلِّ صَفَاقَةٍ لِيَطْعَنَ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، زَاعِمًا أَنَّهَا «مَوْضُوعَةٌ لِأَغْرَاضٍ سِيَاسِيَّةٍ عَبَّاسِيَّةٍ وَعَلَوِيَّة»، بَلْ وَخَرَجَ شُذَّاذُ «الفِرْقَةِ العَدْنَانِيَّةِ» يَسُبُّونَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جِهَارًا! فَأَيُّ نَصْبٍ أَفْحَشُ مِنْ هَذَا النَّصْبِ الَّذِي يُكَذِّبُ عَائِشَةَ وَالمِسْوَرَ وَالبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا لِيَسْلُبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِيَادَتَهَا فِي الجَنَّة؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ». وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ».

البيانتَأَمَّلْ هَذَا السِّيَاجَ النَّبَوِيَّ الْمَنِيعَ حَوْلَ السِّبْطَيْنِ الشَّهِيدَيْنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا رَيْحَانَتَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدُّنْيَا (فِي صَحِيحِ البُخَارِي)، وَهُمَا حِبَّاهُ اللَّذَانِ قَالَ فِيهِمَا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» (فِي الصَّحِيحَيْن)، وَهُمَا «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» بِتَوَاتُرِ الطُّرُقِ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَة!

وَالْآنَ اسْأَلْ وِسَام الْعَظْمَة وَأَتْبَاعَ مَدْرَسَةِ النَّصْبِ الجَدِيد: كَيْفَ يَجْتَمِعُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» وَ«أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا»، مَعَ قَوْلِكُمْ إِنَّ الحُسَيْنَ «خَارِجِيٌّ شَقَّ عَصَا الطَّاعَةِ وَمَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّةٍ وَتَآمَرَ مَعَ الفُرْسِ»؟! أَيَكُونُ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ مَائِتًا مِيتَةَ جَاهِلِيَّة؟! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ».

البيانفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ البَاهِرِ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ ثَلَاثُ صَوَاعِقَ تَدُكُّ مَعَاقِلَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ جَمِيعًا:

الأُولَى: إِثْبَاتُ السِّيَادَةِ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالثَّنَاءُ النَّبَوِيُّ عَلَى صَنِيعِهِ فِي حَقْنِ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ عَامَ الجَمَاعَةِ (41هـ). وَالثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْفِئَتَيْنِ جَمِيعًا — فِئَةِ العِرَاقِ (جَيْشِ عَلِيٍّ وَالحَسَنِ) وَفِئَةِ الشَّامِ (جَيْشِ مُعَاوِيَةَ) — بِالإِسْلَامِ وَالعِظَمِ («بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ»)؛ فَبَطَلَ تَكْفِيرُ الرَّافِضَةِ لِمُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَبَطَلَ تَخْوِينُ النَّوَاصِبِ لِجَيْشِ عَلِيٍّ وَالحَسَنِ وَوَصْفُهُمْ لَهُ بِـ«الجَيْشِ السَّبَئِيّ»! وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ خِلَافَةَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ هِيَ تَمَامُ الثَّلَاثِينَ سَنَةً مِنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ الرَّاشِدَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ المُلْكُ الأُمَوِيُّ!

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ». وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي».

البيانكَلِمَاتٌ مِنْ نُورٍ خَلَّدَهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ صِدِّيقِ الأُمَّةِ وَخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ»؛ أَيْ احْفَظُوهُ فِيهِمْ، فَلَا تُؤْذُوهُمْ وَلَا تَجْفُوهُمْ وَلَا تَبْخَسُوهُمْ حَقَّهُمْ!

وَانْظُرْ إِلَى قَسَمِهِ العَظِيمِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي»! هَذَا هُوَ دِينُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الحَقَّةُ الَّتِي تَصْفَعُ الرَّافِضِيَّ وَالنَّاصِبِيَّ مَعًا؛ فَالرَّافِضِيُّ يَفْتَرِي عَلَى الصِّدِّيقِ أَنَّهُ ظَلَمَ آلَ البَيْتِ، وَالنَّاصِبِيُّ الجَدِيدُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْتَصِرُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِنَفْيِ فَضَائِلِ آلِ البَيْتِ وَالطَّعْنِ فِي عَلِيٍّ وَالحُسَيْنِ! فَإِذَا الصِّدِّيقُ نَفْسُهُ هُوَ أَوَّلُ خَصْمٍ لِلنَّوَاصِبِ يَوْمَ القِيَامَةِ!

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ». وَفَرَضَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي الدِّيوَانِ مِثْلَ فَرِيضَةِ أَبِيهِمَا عَلِيٍّ مَعَ أَهْلِ بَدْرٍ؛ لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

البيانهَذَا هُوَ الفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُقَدِّمُ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِيهِ الخَطَّابِ، وَيَبْدَأُ دِيوَانَ العَطَاءِ بِبَنِي هَاشِمٍ قَبْلَ قَوْمِهِ بَنِي عَدِيٍّ، وَيُلْحِقُ السِّبْطَيْنِ الشَّابَّيْنِ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ بِفَرِيضَةِ أَهْلِ بَدْرٍ (خَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ) قَبْلَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَيَتَزَوَّجُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَغْبَةً فِي الصِّهْرِ النَّبَوِيِّ، وَيَقُولُ: «لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَر»!

فَيَا أَيُّهَا النَّاصِبِيُّ المَفْتُونُ بِـ«القَوْمِيَّةِ الأُمَوِيَّةِ» المَزْعُومَة: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ فِقْهِ عُمَرَ الفَارُوقِ وَعَدْلِهِ وَتَعْظِيمِهِ لِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!

قَالَ الإِمَامُ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَحِبْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكَ، وَلَا تَكُنْ رَافِضِيًّا! وَاعْلَمْ أَنَّ مَا عَمِلُوا مِنْ حَسَنٍ فَلَيْسَ لَكَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمَا عَمِلُوا مِنْ سَيِّئٍ فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ». وَقَالَ: «لَوْ أَرَدْتُ أَنْ يُعْطُونِي رِقَابَهُمْ عَبِيدًا أَوْ يَمْلَؤُوا لِي بَيْتِي ذَهَبًا عَلَى أَنْ أَكْذِبَ لَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ حَدِيثًا وَاحِدًا لَفَعَلُوا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ عَلَى عَلِيٍّ أَبَدًا!».

البيانقَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ الكُوفَةِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَخْتَصِرُ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي سَطْرٍ وَاحِد: «أَحِبْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكَ، وَلَا تَكُنْ رَافِضِيًّا»؛ وَيُقَالُ لِنَوَاصِبِ عَصْرِنَا عَلَى وَزْنِهَا: «أَحِبْ أَصْحَابَ نَبِيِّكَ، وَلَا تَكُنْ نَاصِبِيًّا»!

وَانْظُرْ إِلَى شَهَادَةِ الشَّعْبِيِّ العَظِيمَةِ فِي أَمَانَةِ أَئِمَّةِ الكُوفَةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَصَدِّيهِمْ لِأَكَاذِيبِ الغُلَاةِ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وَهِيَ شَهَادَةٌ تَنْسِفُ دَعْوَى طَهَ الدُّلَيْمِيّ وَصَابِر مَشْهُور اللَّذَيْنِ يَزْعُمَانِ أَنَّ مَدْرَسَةَ الحَدِيثِ فِي الكُوفَةِ كَانَتْ مَصْنَعًا لِلتَّزْوِيرِ الشِّيعِيِّ، وَمَا عَلِمَا أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ فِي الكُوفَةِ كَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ فَضْحًا لِلكَذَّابِينَ وَحِفْظًا لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ!