بصائر

الْوَحْيُ يَحْكُم، وَالصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُون

يَا مَنْ يَزْعُمُ نُصْرَةَ السُّنَّةِ وَيَسْتَثْقِلُ ذِكْرَ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّة: لَا نَبْدَأُ مَعَكَ بِخُصُومَةٍ سِيَاسِيَّة، وَلَا نُحَاكِمُكَ إِلَى دِيوَانِ الْمُلُوك؛ بَلْ نَبْدَأُ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ رَدَّه: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّه، وَحَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن. فَإِنْ سَلَّمْتَ لَهَا عَرَفْتَ أَنَّ النَّصْبَ هَدْمٌ لِلدِّين، وَإِنْ رَدَدْتَهَا فَقَدْ خَاصَمْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُخَاصِمَنَا!

37 نقلًا37 مصدرًا

هَذَا الْبَابُ مِيزَانٌ مَنْصُوبٌ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ طَالِبِ حَقّ: يَبْدَأُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتِ فِي أَصَحِّ دَوَاوِينِ الْإِسْلَام، ثُمَّ يَثْنِي بِشَهَادَاتِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَسَائِرِ الصَّحَابَة، ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ حَجَر.

وَتَحْتَ كُلِّ نَصٍّ «بَيَان»؛ يَكْشِفُ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَيُحَطِّمُ الشُّبْهَةَ الْمُعَاصِرَةَ الَّتِي يَنْفُثُهَا أَدْعِيَاءُ التَّارِيخِ كَصَابِر مَشْهُور وَطَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَأَضْرَابِهِمْ، لِيَعْلَمَ الْقَارِئُ أَنَّ مَعْرَكَةَ النَّوَاصِبِ الْجُدُدِ لَيْسَتْ مَعَ الرَّافِضَةِ، بَلْ هِيَ مَعَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَمَعَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة!

وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ «مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِفَضَائِلِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَا نَطَقَ بِهِ فَمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم».

عُرضت 7 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ». وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ».

البيانتَأَمَّلْ هَذَا السِّيَاجَ النَّبَوِيَّ الْمَنِيعَ حَوْلَ السِّبْطَيْنِ الشَّهِيدَيْنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا رَيْحَانَتَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدُّنْيَا (فِي صَحِيحِ البُخَارِي)، وَهُمَا حِبَّاهُ اللَّذَانِ قَالَ فِيهِمَا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» (فِي الصَّحِيحَيْن)، وَهُمَا «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» بِتَوَاتُرِ الطُّرُقِ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَة!

وَالْآنَ اسْأَلْ وِسَام الْعَظْمَة وَأَتْبَاعَ مَدْرَسَةِ النَّصْبِ الجَدِيد: كَيْفَ يَجْتَمِعُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» وَ«أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا»، مَعَ قَوْلِكُمْ إِنَّ الحُسَيْنَ «خَارِجِيٌّ شَقَّ عَصَا الطَّاعَةِ وَمَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّةٍ وَتَآمَرَ مَعَ الفُرْسِ»؟! أَيَكُونُ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ مَائِتًا مِيتَةَ جَاهِلِيَّة؟! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم!

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ عَنْ دَمِ البَعُوضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فِي الإِحْرَامِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا! يَسْأَلُ عَنْ دَمِ البَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا». وَقَالَ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ حِينَ خَطَبَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَطَعَنَ فِي ابْنِ الزُّبَيْرِ: «إِنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يُحَرِّفْ كِتَابَ اللَّهِ، بَلْ كَانَ قَوَّامًا صَوَّامًا يَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ!».

البيانعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا — الَّذِي يَتَمَسَّحُ النَّوَاصِبُ بِمَوْقِفِهِ فِي كَفِّ اليَدِ عَنِ الفِتَنِ وَمَنْعِ الخُرُوجِ — انْظُرْ كَيْفَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى قَتْلِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ! هَلْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّ الحُسَيْنَ «خَارِجِيٌّ شَقَّ عَصَا الطَّاعَةِ فَقُتِلَ بِسَيْفِ الشَّرْعِ» كَمَا يَهْذِي وِسَام الْعَظْمَة؟! كَلَّا وَاللَّهِ! بَلْ جَعَلَ قَتْلَ الحُسَيْنِ أَعْظَمَ الجَرَائِمِ، وَقَرَعَ أَهْلَ العِرَاقِ بِقَوْلِهِ: «وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا»!

وَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَصْدَعُ بِالحَقِّ فِي وَجْهِ الحَجَّاجِ الظَّالِمِ الغَشُومِ ذَابًّا عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا! فَأَيْنَ هَذَا المِيزَانُ النَّبَوِيُّ العَادِلُ مِنْ تَطْفِيفِ النَّوَاصِبِ الجُدُدِ الَّذِينَ يُجَرِّمُونَ الحُسَيْنَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ وَيُمَجِّدُونَ الحَجَّاجَ وَابْنَ زِيَاد؟!

قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَكَى حَتَّى اخْتَلَجَ صَدْرُهُ وَقَالَ: «وَا ذُلَّ أُمَّةٍ قَتَلَ دَعِيُّهَا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهَا! أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أُصِيبَ بِالحُسَيْنِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثُمَّ سَأَلُوا اللَّهَ بِهِ لَسَقَاهُمُ الغَيْثَ!». وَقَالَ فِي الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: «هُوَ عَذَابٌ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا عَذَابَ اللَّهِ بِالسَّيْفِ وَلَكِنْ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّضَرُّعِ» وَقَالَ حِينَ مَاتَ الحَجَّاجُ: «اللَّهُمَّ أَمِتْ سُنَّتَهُ كَمَا أَمَتَّهُ!».

البيانالحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ — سَيِّدُ التَّابِعِينَ وَإِمَامُ أَهْلِ البَصْرَةِ الَّذِي كَانَ يَنْهَى عَنِ الخُرُوجِ بِالسَّيْفِ فِي الفِتَنِ (كefتنةِ ابْنِ الأَشْعَثِ) — انْظُرْ كَيْفَ يَجْمَعُ فِي فِقْهِهِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ فِتْنَةِ السَّيْفِ وَبَيْنَ البُكَاءِ الحَارِّ عَلَى الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَتَجْرِيمِ قَاتِلِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ («قَتَلَ دَعِيُّهَا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهَا») وَالدُّعَاءِ عَلَى سُنَّةِ الحَجَّاجِ الظَّالِمَة!

هَذَا هُوَ الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَ «فِقْهِ السَّلَفِ فِي تَحْرِيمِ الفِتَنِ» وَبَيْنَ «نَصْبِ الغُلَاةِ فِي تَبْرِئَةِ الجَلَّادِينَ وَالشَّمَاتَةِ بِالمَظْلُومِينَ»؛ فَالنَّاصِبِيُّ الجَدِيدُ يَسْرِقُ كَلَامَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنِ الخُرُوجِ، ثُمَّ يَقْلِبُهُ سِكِّينًا يَذْبَحُ بِهَا عِرْضَ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي بَكَى عَلَيْهِ الحَسَنُ وَابْنُ عُمَرَ دَمًا!

قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلَهُ ابْنُهُ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ فَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ يُحِبُّونَ يَزِيدَ! فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «يَا بُنَيَّ، وَهَلْ يُحِبُّ يَزِيدَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؟!» فَقَالَ صَالِحٌ: يَا أَبَتِ، فَلِمَاذَا لَا تَلْعَنُهُ؟ قَالَ: «يَا بُنَيَّ، وَمَتَى رَأَيْتَ أَبَاكَ يَلْعَنُ أَحَدًا؟!».

البيانفِي هَذِهِ المُحَاوَرَةِ البَدِيعَةِ بَيْنَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِهِ صَالِحٍ يَتَجَلَّى المِيزَانُ السُّنِّيُّ الدَّقِيقُ الَّذِي حَكَاهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي «الوَاسِطِيَّةِ» وَ«مِنْهَاجِ السُّنَّةِ» وَ«وَصِيَّتِهِ الكُبْرَى»: أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ «لَا يُسَبُّ وَلَا يُحَبُّ»!

لَا يُلْعَنُ بِعَيْنِهِ كَمَا تَفْعَلُ الرَّافِضَةُ لِأَنَّ السَّلَفَ كَرِهُوا لَعْنَ المُعَيَّنِ مِمَّنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ؛ وَلَا يُحَبُّ وَلَا يُمَدَحُ كَمَا يَفْعَلُ النَّوَاصِبُ لِأَنَّ المحَبَّةَ الخَاصَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَيَزِيدُ قَدْ جَرَى فِي إِمَارَتِهِ قَتْلُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ بِكَرْبَلَاءَ وَاسْتِبَاحَةُ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يَوْمَ الحَرَّةِ! فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: «وَهَلْ يُحِبُّ يَزِيدَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؟!»، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى صَابِر مَشْهُور الَّذِي جَعَلَ يَزِيدَ «الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ السَّادِسَ»!

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ أَوْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ أَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا! وَقَتْلُ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْمَصَائِبِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ أَخَاهُ الْحَسَنَ بِالشَّهَادَةِ كَمَا أَكْرَمَ سَائِرَ أَهْلِ بَيْتِهِ كَحَمْزَةَ وَجَعْفَرٍ وَأَبِيهِ عَلِيٍّ؛ فَإِنَّهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَنَالَا الشَّهَادَةَ لَنَقَصَتْ دَرَجَتُهُمَا».

البيانكَثِيرًا مَا يَكْذِبُ الرَّافِضَةُ وَالنَّوَاصِبُ مَعًا عَلَى شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَضِيَّةِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ فَهَا هُوَ كَلَامُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ بِنَصِّهِ وَحَرْفِهِ فِي «مَجْمُوعِ الفَتَاوَى» (4/ 487) يَصُبُّ اللَّعْنَةَ الشَّرْعِيَّةَ صَبًّا عَلَى كُلِّ مَنْ قَتَلَ الحُسَيْنَ أَوْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ أَوْ «رَضِيَ بِذَلِكَ»!

فَلْيَسْمَعْ وِسَام الْعَظْمَة وَيُوسُف عَلَاوْنَة وَعُمَر خَلِيفَة رَاشِد وَكُلُّ مَنْ يَرْضَى بِفِعْلِ جَيْشِ ابْنِ زِيَادٍ فِي كَرْبَلَاءَ أَوْ يُبَرِّرُ قَتْلَ الحُسَيْنِ بِدَعْوَى «حِفْظِ الدَّوْلَةِ وَضَرْبِ الخَارِجِ بِالسَّيْفِ»: لَقَدْ أَدْخَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِرِضَاكُمْ هَذَا تَحْتَ دُعَاءِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى مَنْ رَضِيَ بِقَتْلِ سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

قَالَ الحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ فِي يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: «كَانَ نَاصِبِيًّا، فَظًّا، غَلِيظًا، جِلْفًا... افْتَتَحَ دَوْلَتَهُ بِمَقْتَلِ الشَّهِيدِ الْحُسَيْنِ، وَاخْتَتَمَهَا بِوَاقِعَةِ الْحَرَّةِ، فَمَقَتَهُ النَّاسُ وَلَمْ يُبَارَكْ فِي عُمْرِهِ». وَقَالَ فِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: «أَهْلَكُوهُ اللَّهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ كَهْلًا، وَكَانَ ظَلُومًا، جَبَّارًا، نَاصِبِيًّا، خَبِيثًا، سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ... لَا نُحِبُّهُ بَلْ نُبْغِضُهُ فِي اللَّهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ».

البيانضَعْ هَذَا المِيزَانَ الحَدِيدِيَّ لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ فِي «سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» إِزَاءَ تَرَّهَاتِ صَابِر مَشْهُور وَيُوسُف عَلَاوْنَة لِتَرَى الفَرْقَ بَيْنَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ الرَّبَّانِيِّينَ وَبَيْنَ غُلَاةِ النَّوَاصِبِ المَفْتُونِين!

الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ — الَّذِي ذَبَّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِصُحْبَتِهِ وَجِهَادِهِ — لَمْ تُحَابِ رِيشَتُهُ وَلَدَهُ يَزِيدَ حِينَ اسْتُبِيحَتْ فِي عَهْدِهِ كَرْبَلَاءُ وَالمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَلَمْ تُحَابِ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ حِينَ سَفَكَ دِمَاءَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَضَرَبَ الكَعْبَةَ؛ بَلْ قَالَ كَلِمَتَهُ الفَاصِلَةَ: «لَا نُحِبُّهُ بَلْ نُبْغِضُهُ فِي اللَّهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الإِيمَانِ»! لِأَنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُقَامُ بِمُدَاهَنَةِ الظَّلَمَةِ وَلَا بِتَزْيِيفِ التَّارِيخ!

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْزَنَ لِقَتْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَعُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِهِ، وَقَدْ كَانَ عَابِدًا وَشُجَاعًا وَسَخِيًّا؛ وَلَكِنْ لَا يَحْسُنُ مَا يَفْعَلُهُ الشِّيعَةُ مِنْ إِظْهَارِ الْجَزَعِ وَالْحُزْنِ الَّذِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُ تَصَنُّعٌ وَرِيَاءٌ... وَأَمَّا أَهْلُ النَّصْبِ فَيَجْعَلُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ فَرَحٍ وَسُرُورٍ وَزِينَةٍ نِكَايَةً بِالشِّيعَةِ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ مُخْطِئَةٌ خَارِجَةٌ عَنِ السُّنَّةِ!».

البيانفِي هَذَا النَّصِّ الجَلِيلِ مِنْ «البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ» يَرْسُمُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ خَرِيطَةَ الِاعْتِدَالِ السُّنِّيِّ فِي مَقْتَلِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْن:

الأُولَى: وُجُوبُ الحُزْنِ الشَّرْعِيِّ وَالأَسَى القَلْبِيِّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لِمُصَابِ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَعَالِمِ الصَّحَابَةِ وَابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالثَّانِيَةُ: إِبْطَالُ مَآتِمِ الشِّيعَةِ وَلَطْمِ الخُدُودِ وَشَقِّ الجُيُوبِ فِي عَاشُورَاءَ. وَالثَّالِثَةُ: إِبْطَالُ بِدْعَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ عَاشُورَاءَ عِيدَ فَرَحٍ وَشَمَاتَةٍ أَوْ يَشْفُونَ غَلِيلَهُمْ بِتَجْرِيمِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نِكَايَةً بِالشِّيعَةِ! وَهُوَ عَيْنُ مَا سَقَطَ فِيهِ طَهَ الدُّلَيْمِيّ وَوِسَام الْعَظْمَة وَعُمَر خَلِيفَة رَاشِد حِينَ ظَنُّوا أَنَّ مُكَافَحَةَ الشِّيعَةِ تَكُونُ بِجَفَاءِ الحُسَيْنِ وَتَبْرِئَةِ ابنِ زِيَاد!