شبهة: «خلافة علي بن أبي طالب فاقدة للشرعية السياسية، عقدها قتلة عثمان وحكم بالتغلّب!»
نصّ الشبهة
يزعم وسام العظمة أن خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه «فاقدة للشرعية السياسية»، وأنها لم تنعقد بشورى الصحابة بل عقدها له «قتلة عثمان والثوار السبئيون»، ويصف حكمه رضي الله عنه بأنه «حكم بالتغلّب» لم تجتمع عليه الأمة!
مقالات وتغريدات وسام العظمة في الطعن في خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
هذا القول هو عينُ مقالة الخوارج والنواصب الأوائل (بني مروان وغلاة حروراء) التي قال فيها إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله كلمته الفاصلة:
«مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْخِلَافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ! وَلَا تُنَاكِحُوهُ وَلَا تُكَلِّمُوهُ، وَعَلِيٌّ هُوَ الَّذِي زَانَ الْخِلَافَةَ وَمَا زَانَتْهُ الْخِلَافَةُ!» (السنة للخلال: 2/ 368).
ونقضُ هذه الفرية الناصبية يقوم على أربعة أركانٍ راسخة:
أولًا: نصّ النبوة القاطع في أن خلافة عليٍّ «خلافة نبوة» لا ملك تغلّب!
روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي بسندٍ صححه الأئمة عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء»؛ فكانت خلافة أبي بكرٍ سنتين، وعمر عشرًا، وعثمان اثنتي عشرة، وعليٍّ والحسن ستّ سنين، فكملت الثلاثون سنةً بخلافة عليٍّ والحسن رضي الله عنهما! وحين قال بعض نواصب بني أمية لسفينة: «إن هؤلاء يزعمون أن عليًّا ليس بخليفة!»، صاح سفينة رضي الله عنه: «كذبت أستاهُ بني الزرقاء!»؛ فيا وسام العظمة، لقد أجابك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنًا!
ثانيًا: مَن الذي بايع عليًّا رضي الله عنه في المسجد النبوي؟
من الكذب الفاضح الزعمُ بأن الذي عقد البيعة لعليٍّ هم «قتلة عثمان»؛ فقد ثبت بالأسانيد الصحيحة (في تاريخ خليفة بن خياط، ومصنف ابن أبي شيبة، وتاريخ الطبري، والسنن الكبرى للبيهقي) أن عليًّا رضي الله عنه امتنع أولًا حين أتاه الناس وقال: «لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيتُ به»، فأتاه المهاجرون والأنصار من أهل بدرٍ وأهل بيعة الرضوان وقالوا: «لا نعلم أحدًا أحقّ بها منك»، وأبي أن يبايع سرًّا في بيته وقال: «لا تكون بيعتي إلا في المسجد عن رضا المسلمين»، فخرج إلى المسجد النبوي فبايعه طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، وخزيمة بن ثابت، وابن عباس، وسائر الصحابة بالمدينة!
ثالثًا: لم ينازع عليًّا أحدٌ في الخلافة يوم بويع في الأرض كلها!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «منهاج السنة» (4/ 388) و«مجموع الفتاوى» (35/ 72):
«وعليٌّ رضي الله عنه بايعه المهاجرون والأنصار، ولم يكن في وقته أحدٌ ينازعه في الخلافة، ولا ادّعى أحدٌ على عهده أنه أحقّ بالخلافة منه؛ لا طلحة ولا الزبير ولا معاوية ولا غيرهم! وإنما نازعه معاوية في ولاية الشام وفي طلب قتلة عثمان قبل الدخول في الطاعة، مع إقراره بأن عليًّا أفضل منه وأحقّ بالخلافة».
فكيف يُسمّى من بايعه أهل الحل والعقد من بقية العشرة المبشرين بالجنة وأهل بدرٍ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينازعه في استحقاق الخلافة منازعٌ في الأرض «حاكمًا بالتغلّب»؟! إن التغلّب الحقيقيّ إنما وقع لاحقًا حين أُخذت البيعة ليزيد بن معاوية بالقوة وورّث الملك بالسيف، ومع ذلك يقبل النواصبُ خلافةَ يزيد ويجعلونه إمامًا واجب الطاعة، ويطعنون في بيعة علي بن أبي طالب سيد المهاجرين والأنصار بعد الثلاثة!
رابعًا: لماذا لم يقتل عليٌّ رضي الله عنه قتلةَ عثمان فور بيعته؟
هذه هي الشبهة التي يقتات عليها النواصب، وجوابها عند أئمة الفقه والأصول أوضح من الشمس:
- إن الغوغاء الذين باشروا قتل عثمان رضي الله عنه كانوا ألوفًا مؤلفةً من قبائل شتى قد سيطروا على المدينة بالسلاح، واندمجوا في العشائر والجموع، ولم يكن لأحدٍ — لا لعليٍّ ولا لطلحة ولا للزبير — قدرةٌ حسيةٌ على استئصالهم في لحظةٍ واحدةٍ دون أن تتحول المدينة النبوية إلى مذبحةٍ يُقتل فيها الأبناء والنساء وسائر الصحابة!
- أن القصاص في الشريعة له شروطٌ قضائية: ثبوتُ البينة على القاتل المعين، ومطالبةُ أولياء الدم عند الحاكم، والتمكّنُ من التنفيذ بلا مفسدةٍ أعظم؛ وقد كان رأي عليٍّ رضي الله عنه (وهو رأي جمهور الفقهاء قاطبةً) أنه يجب أولًا تهدئة الفوضى واجتماع الكلمة في الأمصار، فإذا استقرّ سلطان الدولة أُخذ القتلةُ واحدًا واحدًا بالقضاء الشرعي؛ وهو عينُ الصواب الذي شهدت له النصوص النبوية بقوله صلى الله عليه وسلم: «تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة»!
