فرية: «قتادة بن دعامة والإمام البخاري وعبد الله بن عمر أنكروا خلافة علي بن أبي طالب!»
نصّ الشبهة
يزعم صابر مشهور في مقاطعه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما والإمام البخاري والتابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي «أنكروا خلافة علي بن أبي طالب ولم يعدّوه من الخلفاء»، محتجًّا بحديث ابن عمر في البخاري: «كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخيّر أبا بكر ثم عمر ثم عثمان» دون ذكر علي!
مقاطع صابر مشهور في تحريف أثر ابن عمر في صحيح البخاري وأقوال قتادة.
هذه الشبهةُ تكشف بجلاءٍ الفرقَ بين العالم الذي يفهم لسان العرب ومصطلحات السلف، وبين الصحفيّ المتعالم الذي يخلط بين «مرتبة التفضيل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم» وبين «إثبات الخلافة بعد استشهاد عثمان»! وبيان عوار هذا التدليس من أربعة أوجه:
أولًا: حديث ابن عمر في البخاري يتحدث عن «المفاضلة في حياة النبي» لا عن «ترتيب الخلفاء»!
انظر إلى نصّ حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في صحيح البخاري (3655): «كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخيّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم».
فابن عمر يحكي ما كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تكون هناك خلافةٌ لأحدٍ أصلًا! ومعناه: أن الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجمعون على تفضيل أبي بكرٍ ثم عمر ثم عثمان، ثم يسكتون عن المفاضلة بين بقية العشرة وأهل بدر (كعليٍّ وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف) لقرب منازلهم في الفضل؛ فأين في هذا النص إنكارٌ لخلافة عليٍّ التي انعقدت سنة 35هـ؟!
ثانيًا: عبد الله بن عمر نفسه يثبت خلافة عليٍّ ويعلن الندم على عدم القتال معه!
لو فتح صابر مشهور الصفحات التي تلي ذلك في كتب الصحيح والسنن لوجد أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
- بايع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمدينة بعد مقتل عثمان ولم ينازعه قط!
- وروى في صحيح البخاري نفسه مناقب عليٍّ رضي الله عنه وقال لمن سأله عن عليٍّ: «ذاك بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أوتي من الفضل ما قد علمتم» (صحيح البخاري: 3706)!
- وصحّ عن ابن عمر بأصحّ إسنادٍ (عند ابن عبد البر في الاستيعاب وابن سعد والحاكم والذهبي) أنه قال في آخر عمره عند الموت: «ما أجدُ في نفسي من الدنيا شيئًا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب!». أفيقول هذا من ينكر خلافة عليٍّ؟!
ثالثًا: الإمام البخاري يعقد باب مناقب عليٍّ ويصدّر بفضائله في صحيحه!
وأما الكذب على الإمام البخاري بأنه أنكر خلافة عليٍّ، فيكفي في فضحه أن الإمام البخاري رحمه الله عقد في صحيحه في كتاب المناقب «باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه»، وروى فيه بأصح الأسانيد قول النبي صلى الله عليه وسلم لعليٍّ: «أنت مني وأنا منك»، وقوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، وقوله يوم خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»! كما نصّ البخاري في كتابه «اعتقاد أبي عبد الله البخاري» على إمامة الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عنهم!
رابعًا: كذبته على التابعي قتادة بن دعامة السدوسي
وأما قتادة بن دعامة البصري رحمه الله، فهو الذي روى حديث سفينة في «الخلافة ثلاثون سنة» المشتمل على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ (كما في مسند أحمد والسنن)، وهو الذي روى فضائل عليٍّ عن سعيد بن المسيب والحسن البصري؛ فتبين أن صابر مشهور يبتر النصوص ليقول الأئمة ما لم يقولوه قط.
