فرية: «هارون الرشيد ووزير إعلامه الواقدي هما اللذان صنعا التفسير والحديث والفقه الإسلامي!»
نصّ الشبهة
يردّد صابر مشهور في عشرات المقاطع أسطورته الكبرى: «إن التفسير والحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي صُنعت في بغداد بأمر الخليفة العباسي هارون الرشيد وبإشراف وزير إعلامه محمد بن عمر الواقدي، لتشويه بني أمية وتلميع بني هاشم!»
سلسلة مقاطع صابر مشهور عن «الدين العباسي المزوّر» و«وزير الإعلام الواقدي» (مردود عليها في قسم المرئيات).
هذه الأسطورة التي يلوكها صابر مشهور في كل حلقةٍ كأنها اكتشافٌ عبقريٌّ، هي في الحقيقة أعظمُ شاهدٍ على جهله المطبق بتاريخ تدوين السنة وبموقف المحدثين من الواقدي! وينقضها أربعةُ براهين دامغة:
أولًا: محمد بن عمر الواقدي «متروك الحديث» باتفاق أئمة الجرح والتعديل في العصر العباسي نفسه!
تأمّل هذه الصاعقة التي تهدم أسطورة صابر مشهور من القواعد: لو كان أئمةُ الحديث والفقه والتفسير في العصر العباسي يأخذون دينهم من «محمد بن عمر الواقدي (ت 207هـ)» بأمر هارون الرشيد والمأمون كما يكذب صابر مشهور، لكان الواقديُّ عندهم إمامًا معصومًا ومصدرًا للصحاح! فما هو حكمُ أئمة الحديث في بغداد والعصر العباسي على الواقدي؟!
- الإمام الشافعي (ت 204هـ): قال: «كتب الواقدي كذب!»
- الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) إمام بغداد: قال: «الواقدي كذّابٌ يقلب الأحاديث!»
- الإمام يحيى بن معين (ت 233هـ): قال: «ليس بشيء، لا يُكتب حديثه!»
- الإمام البخاري (ت 256هـ) والإمام مسلم (ت 261هـ) وأبو داود والنسائي: قالوا: «متروك الحديث»، ولم يُخرج البخاري ولا مسلم للواقدي حرفًا واحدًا في الصحيحين قط!
فكيف يكون الرجلُ الذي اتفق البخاري ومسلم وأحمد والشافعي وابن معين والنسائي على طرح حديثه وترك الرواية عنه هو «صانعَ الحديث والتفسير في العصر العباسي»؟! إن هذا وحده يثبت أن أئمة الحديث كانوا مستقلين تمام الاستقلال عن بلاط الخلفاء، يجرّحون قاضي المأمون (الواقدي) ولا يعبؤون بمنصبه!
ثانيًا: تدوين السنة والتفسير والفقه تمّ قبل ولادة هارون الرشيد والواقدي وفي غير سلطان العباسيين!
متى وُلد هارون الرشيد؟ وُلد سنة 149هـ وتولى الخلافة سنة 170هـ! ومتى دُوّنت السنة والتفسير والفقه؟
- أمر الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) الإمامَ ابن شهاب الزهري (ت 124هـ) وأبا بكر بن حزم بتدوين السنة النبوية في العصر الأموي قبل قيام الدولة العباسية بنصف قرن!
- وصنّف معمر بن راشد باليمن (ت 153هـ)، وابن جريج بمكة (ت 150هـ)، وسعيد بن أبي عروبة بالبصرة (ت 156هـ)، والأوزاعي بالشام (ت 157هـ)، وسفيان الثوري بالكوفة (ت 161هـ)، والإمام مالك بالمدينة (ت 179هـ)، والليث بن سعد بمصر (ت 175هـ) دواوينهم قبل خلافة هارون الرشيد!
- بل إن الأندلس الإسلامية كانت تحت حكم الدولة الأموية (عبد الرحمن الداخل وبنيه) المعادية سياسيًّا للعباسيين، وعلماؤها (كيحيى بن يحيى الليثي، وبقي بن مخلد، وابن وضاح، وابن عبد البر) يروون عينَ «موطأ مالك» وعينَ «صحيح البخاري ومسلم» وعينَ أحاديث فضائل عليٍّ وفاطمة والحسنين وعمار بن ياسر! فهل كان أمويو قرطبة يعملون عند وزير إعلام هارون الرشيد؟!
