شبهة صابر مشهور والنواصب: ردّ حديث «سدوا الأبواب إلا باب علي» بدعوى أنه موضوع يعارض حديث خوخة أبي بكر!
نصّ الشبهة
يزعم صابر مشهور وطه الدليمي أن حديث: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب علي» هو حديثٌ موضوعٌ مكذوبٌ اخترعه الشيعة لمعارضة الحديث الصحيح في البخاري ومسلم: «لا يبقينّ في المسجد بابٌ إلا سُدّ إلا باب أبي بكر (أو خوخة أبي بكر)»!
ويحتج هؤلاء بكلام ابن الجوزي في كتاب «الموضوعات» ليُسقطوا كل طرق حديث باب عليٍّ ويتهموا رواته من التابعين بالكذب والوضع!
مرئيات صابر مشهور ومدونات طه الدليمي حول أحاديث فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
لقد أثار النواصب الجدد ضجةً كبرى حول حديث «سدّ الأبواب إلا باب علي»، وظنوا بجهلهم بصناعة الحديث أن وجود حديث «خوخة أبي بكر» في صحيح البخاري يقتضي حتمًا تكذيب الصحابة والتابعين الذين رووا حديث «باب علي»! وقد حسم أئمةُ النقد الحديثي — كالإمام أحمد بن حنبل، والنسائي، والترمذي، والضياء المقدسي، والحافظ ابن حجر العسقلاني — هذه المسألة حسمًا علميًّا باهرًا؛ وبيانه في أربعة وجوه:
أولًا: كثرة طرق حديث «إلا باب علي» وتصحيح أئمة الحديث لها
لم يُروَ حديث «سد الأبواب إلا باب علي» من طريقٍ واحدٍ ضعيفٍ كما يدّعي صابر مشهور، بل رُوي عن جمعٍ كبيرٍ من الصحابة الكرام بأسانيد صحيحةٍ وحسنةٍ في «مسند أحمد» و«سنن الترمذي» و«خصائص علي للنسائي» و«المستدرك» و«المختارة للضياء المقدسي»، ومن أصحّ طرقه:
- حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه: أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (19264)، والنسائي في «السنن الكبرى» (8463) وفي «الخصائص» (39)، والحاكم (3/ 135)، والضياء في «المختارة» بسندٍ رجاله ثقاتٌ رجال الصحيح (ميمون أبو عبد الله عن زيد بن أرقم) قال: كان لنفرٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوابٌ شارعةٌ في المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا: «سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ»، فتكلم في ذلك أناسٌ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُمِرْتُ بِسَدِّ هَذِهِ الأَبْوَابِ غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ، فَقَالَ فِيهِ قَائِلُكُمْ، وَاللَّهِ مَا سَدَدْتُ شَيْئًا وَلَا فَتَحْتُهُ، وَلَكِنِّي أُمِرْتُ بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْتُهُ!».
- حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أخرجه أحمد (1547) والنسائي في «الخصائص» (38) بسندٍ صحيحٍ عن سعد قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي».
- حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أخرجه أحمد (3062) والنسائي بسندٍ صحيحٍ على شرط مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبواب المسجد فسُدّت إلا باب علي».
- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أخرجه أحمد (4797) والنسائي بسندٍ صحيحٍ عن العلاء بن عرار قال: سألت ابن عمر عن علي وعثمان، فذكر مناقب عليٍّ حتى قال: «وأيكم أُخرج كلّ من كان في المسجد وأُقرّ فيه غيره؟!».
ثانيًا: تعقّب الحافظ ابن حجر الحاسم لابن الجوزي ونقضه لدعوى الوضع
لما أورد ابنُ الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات» متأثرًا بظاهر التعارض مع حديث أبي بكر، تصدّى له إمام المحدثين الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» (7/ 15) وفي كتابه «القول المسدد في الذب عن مسند أحمد» (ص 27 - 32)، فقال كلمةً تدمغ صابر مشهور وأضرابه:
«وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده هذا الحديث في الموضوعات عازيًا ذلك إلى معارضته للأحاديث الصحيحة في باب أبي بكر، وليس ذلك بقادحٍ فيه؛ فإنهما قصتان مختلفتان، والجمعُ بينهما ممكنٌ واضح... وأحاديثُ (إلا باب علي) واردةٌ من طرقٍ كثيرةٍ جدًّا، لا يرتابُ محدّثٌ في أنها بمجموعها توجبُ القطعَ بصحّته، بل في كثيرٍ من مفرداتها ما هو على شرط الصحيح!».
ووافق الحافظَ ابنَ حجرٍ على تصحيح الحديث والردّ على ابن الجوزي: الحافظُ السيوطي في «اللآلئ المصنوعة»، والحافظُ الشوكاني في «الفوائد المجموعة»، والمحدّثُ أحمد شاكر في تحقيق المسند، والشيخُ الألباني في «السلسلة الصحيحة»!
ثالثًا: الجمع الفقهي الدقيق بين حديث «خوخة أبي بكر» وحديث «باب علي»
كيف جمع أئمة الحديث والفقه (كالطحاوي في مشكل الآثار، والبيهقي، وابن حجر) بين الحديثين دون ضرب أحدهما بالآخر؟
- أن بيت عليٍّ وفاطمة رضي الله عنهما كان في وسط الحجر النبوية ملاصقًا لبيت عائشة داخل حريم المسجد النبوي، ولم يكن لبيت عليٍّ وفاطمة بابٌ يخرجان منه إلى الطريق العام إلا من داخل المسجد! فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولًا بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد صيانةً للمسجد عن الجنب والمارة، استثنى باب عليٍّ وفاطمة للضرورة الحسية؛ لأنه لو سُدّ بابه لانحبس في بيته ولم يجد مخرجًا!
- وأما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان لداره بابٌ من خارج المسجد، وكانت له «خَوْخَة» (وهي كُوّةٌ أو بابٌ صغيرٌ مختصر) يطلّ على المسجد؛ فلما كان في مرض وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (قبل وفاته بخمسة أيام كما في صحيح البخاري: 466، 3654)، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسدّ كلّ خوخةٍ بقيت في المسجد إلا خوخة أبي بكر الصديق، إشارةً إلى استخلافه في الصلاة بالمسلمين وفي الخلافة من بعده!
فظهر بهذا التحقيق السنيّ المتين صدقُ الحديثين معًا، وثبوتُ المنقبتين معًا، وسقط بهتانُ صابر مشهور الذي أراد تكذيب زيد بن أرقم وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم!
