فرية صابر مشهور: «حديث (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة) دسّه الشيعة في صحيح البخاري ويعارض القرآن!»
نصّ الشبهة
اجترأ صابر مشهور وغلاة الفرقة العدنانية على الطعن في الحديث الثابت في صحيحي البخاري ومسلم: «يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين (أو سيدة نساء أهل الجنة)؟»، فزعم صابر مشهور أن هذا الحديث دسّه الشيعة في صحيح البخاري لأنه يعارض صريح القرآن في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42]!
مرئيات صابر مشهور في الطعن في صحيح البخاري وأحاديث فضائل فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
هذا البهتان الذي نطق به صابر مشهور يجمع بين الجناية على السيدة الطاهرة البتول فاطمة الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجناية على أصحّ كتابٍ بعد كتاب الله (صحيحي البخاري ومسلم)، والجهل الفاضح بتفسير القرآن الكريم؛ وبيان سقوط هذه الشبهة من أربعة وجوهٍ قاطعة:
أولًا: مَن الذي روى حديث سيادة فاطمة في الصحيحين؟ إنها الصديقة عائشة رضي الله عنها!
يزعم صابر مشهور أن «الشيعة دسّوا الحديث في صحيح البخاري»! فتعالَ ننظر مَن الراوي لهذا الحديث في صحيحي البخاري ومسلم:
لقد أخرج الإمام البخاري في «صحيحه» (رقم 3623، 3624، 3716، 6285) والإمام مسلم في «صحيحه» (رقم 2450) من طرقٍ متعددةٍ عن عروة بن الزبير، ومسروق بن الأجدع، وعمرة بنت عبد الرحمن، كلّهم عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في قصة مرض وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا فاطمة رضي الله عنها فسارّها فبكت، ثم سارّها فضحكت، فلما سألتها عائشة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة:
«سَارَّنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ... وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ (وفي رواية البخاري 3767: سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)».
فنسأل هذا الجاهل المتطاول: أَتتّهم أمَّ المؤمنين عائشة وعروة بن الزبير ومسروقًا بالتشيع والدسّ في البخاري ومسلم؟! أم تتّهم معجزةً نبويةً وقعت عيانًا أمام الصحابة حين لحقت فاطمةُ بأبيها صلى الله عليه وسلم بعد ستة أشهرٍ فكانت أول أهل بيته لحوقًا به كما أخبرها في ذلك المجلس نفسه؟!
ثانيًا: ثبوت الحديث عن جمعٍ من الصحابة مع التصريح بمريم وخديجة وآسية
لم ينفرد حديث عائشة بذلك، بل ثبت في صحيح البخاري (3432، 3769) وصحيح مسلم (2430) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ». وثبت في مسند أحمد (2663) وصحيح ابن حبان (6958) ومستدرك الحاكم (2/ 594) وصححه الذهبي والحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (7/ 107) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطّ في الأرض أربعة خطوط ثم قال:
«أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ».
وثبت في مسند أحمد (12011) وصحيح ابن حبان عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ».
ثالثًا: الرد المحكم على دعوى معارضة آية ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
ظنّ صابر مشهور بسطحية فهمه أن قوله تعالى لمريم: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42] يناقض حديث: «سيدة نساء أهل الجنة»! ولو قرأ صفحةً واحدةً في «تفسير الطبري» أو «تفسير ابن كثير» أو «فتح الباري لابن حجر» (6/ 471، 7/ 106) لعلم أن أئمة الإسلام قد حسموا هذا الجمع منذ اثني عشر قرنًا على ثلاثة أوجهٍ كلها حق:
- الوجه الأول: أن لفظ «العالمين» في قوله لمريم: ﴿عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ يراد به عالمو زمانها، تمامًا كما قال الله لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47]، مع أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ باتفاق المسلمين! فكما أن تفضيل بني إسرائيل على العالمين إنما هو على عالمي زمانهم لا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكذلك اصطفاء مريم على نساء عالمها، وفاطمة سيدة نساء هذه الأمة، وأمتها أفضل الأمم!
- الوجه الثاني: أن حديث حذيفة وابن عباس وأنس يجمع بين الأربع الكُمَّل (مريم، وخديجة، وفاطمة، وآسية) في السيادة العليا، فتكون كلّ واحدةٍ منهنّ سيدةً، وتكون فاطمة سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء أهل الجنة مع مريم وخديجة وآسية!
- الوجه الثالث: أنه حتى على قول من فضّل مريم مطلقًا، فإن رواية الصحيحين عن عائشة جاءت مقيدةً ومفسرةً بلفظ: «ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة»، وقال عروة بن الزبير والثوري: «سيدة نساء أهل الجنة خلا مريم ابنة عمران». فأين التعارض المزعوم الذي يتذرع به هذا الناصبي لردّ صحيحي البخاري ومسلم؟!
