شبهة طه الدليمي وصابر مشهور: إسقاط «مصنف عبد الرزاق الصنعاني» ومروياته في الصحيحين بدعوى تشيع عبد الرزاق!
نصّ الشبهة
في سعيهم الحثيث لهدم مصادر السنة النبوية التي حفظت فضائل آل البيت وأخبار الصحابة، يشنّ طه الدليمي وصابر مشهور حملةً ضاريةً على حافظ اليمن الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211هـ) صاحب «المصنف»، فيزعمون أنه كان شيعيًّا رافضيًّا كذابًا، ويطالبون بإسقاط كتابه «المصنف» وإسقاط مئات الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم وأحمد عن طريقه!
كتب طه الدليمي ومرئيات صابر مشهور في الطعن في الحافظ عبد الرزاق الصنعاني ورواة اليمن والكوفة.
إن الطعن في الحافظ الكبير شيخ الإسلام ومحدّث اليمن عبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ) والمطالبة بإسقاط مروياته هو معولٌ خبيثٌ لهدم «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» و«مسند أحمد»؛ لأن عبد الرزاق أحدُ الأركان العظمى التي دارت عليها أسانيد السنة النبوية في الدنيا؛ وتفنيد هذه الشبهة الناصبية يقوم على أربعة أوجهٍ حاسمة:
أولًا: مكانة عبد الرزاق الصنعاني في الصحيحين وعند أئمة الجرح والتعديل
من هو عبد الرزاق الصنعاني الذي يتطاول عليه صابر مشهور وطه الدليمي؟
إنه التلميذُ الأخصّ للإمام معمر بن راشد الأزدي، وللإمام سفيان الثوري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والأوزاعي؛ وقد رحل إليه أئمةُ الدنيا من خراسان والعراق والشام والحجاز ومصر، فكان من تلاميذه: الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي!
وقد أخرج له الإمام البخاري والإمام مسلم في «الصحيحين» أكثر من خمسمئة حديثٍ! وأخرج له الإمام أحمد في «المسند» آلاف الأحاديث! وقال فيه الإمام أحمد بن حنبل: «إذا اختلف أصحاب معمر فالقول قول عبد الرزاق»، وقال يحيى بن معين حين قيل له إن أحمد يقول: ما رأيتُ أثبت من عبد الرزاق: «صدَق أحمد، لا، ولا عبد الرزاق رأى مثل نفسه!»، وقال أبو زرعة الدمشقي: «كان عبد الرزاق أحدَ من ثبت حديثُه» (سير أعلام النبلاء: 9/ 564). فهل كان أحمد وابن معين وابن المديني والبخاري ومسلم يجهلون حال عبد الرزاق حتى جاء صابر مشهور في آخر الزمان ليكشفه لهم؟!
ثانيًا: ما حقيقة «التشيع» المنسوب إلى عبد الرزاق الصنعاني؟
حقق الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (9/ 570) و«ميزان الاعتدال» (2/ 609) والحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (6/ 312) حقيقة ما نُسب إلى عبد الرزاق من التشيع، وبيّنوا بالبرهان القاطع أنه كان «تشيعًا عاطفيًّا يسيرًا لا رفض فيه ولا قدح في الشيخين»:
- روى الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عن عبد الرزاق نفسه أنه قال: «والله ما انشرح صدري قط أن أفضّل عليًّا على أبي بكرٍ وعمر! فرحم الله أبا بكر، ورحم الله عمر، ورحم الله عثمان، ورحم الله عليًّا، من لم يحبهم فما هو بمؤمن، أوثق عملي حبّي إياهم!» (سير أعلام النبلاء: 9/ 571).
- فلماذا قيل إنه يتشيع؟ أجاب عبد الرزاق نفسه فقال: «أول ما حملني على حبّ عليٍّ أن الرجل من أهل الشام كان إذا قدم علينا صنعاء لا يذكر عليًّا إلا شتمه أو نال منه، فرأيتُ فضله ومكانه من النبي صلى الله عليه وسلم فأحببته!»، وكان يبغض من قاتل عليًّا في صفين ويميل إلى عليٍّ ميلًا شديدًا، وهذا هو معنى «التشيع» في اصطلاح المتقدمين!
- بل ثبت عن يحيى بن معين (كما في تهذيب الكمال: 18/ 58) أنه قال لعبد الرزاق: «اعلم أن أصحابك الذين أخذتَ عنهم (معمر، ومالك، وابن جريج، والثوري، والأوزاعي) كلّهم أصحاب سنة، فدع عنك هذا المذهب!»، فرجع عبد الرزاق وتاب منه كما نصّ عليه الإمام أحمد وابن معين والذهبي!
ثالثًا: كتاب «مصنف عبد الرزاق» مفخرةٌ من مفاخر أهل السنة يطفح بفضائل أبي بكر وعمر وعثمان!
لو فتح طه الدليمي أو صابر مشهور كتاب «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني (المطبوع في أحد عشر مجلدًا بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي)، لوجدوه مملوءًا بمئات الآثار الصحيحة في فضائل أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، وبفقه عمر وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة! بل إن أكثر أسانيد فضائل الصديق والفاروق عن معمر عن الزهري إنما وصلت إلينا من طريق عبد الرزاق في مصنفه وتفسيره!
رابعًا: تمييز المحدثين بين ما رواه عبد الرزاق قبل العمى وما لُقّنه بعد العمى
لم يغفل أئمة النقد الحديثي عن أدقّ تفصيلةٍ في حياة عبد الرزاق؛ فذكر الإمام أحمد والنسائي وابن عدي أنه عمي في آخر عمره (بعد سنة 200هـ)، فكان بعض الوراقين الشيعة يلقّنونه أحاديث مناكير في المثالب والفضائل لم تكن في كتبه؛ ولذلك لم يخرج له البخاري ومسلم وأحمد وابن معين وإسحاق إلا ما حدّث به من كتبه المضبوطة قبل أن يعمى، وميّزوا مناكير المتأخرين عنه تمييز الذهب من التراب! فظهر بذلك إعجازُ منهج المحدثين، وسقطت فريةُ النواصب الذين أرادوا هدمَ السنة النبوية بحجة عبد الرزاق!
