شبهة النواصب الجدد: التشكيك في فقه وقضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وحديث البخاري عن عمر «أقضانا علي»!
نصّ الشبهة
يحاول طه الدليمي وصابر مشهور ووسام العظمة الانتقاصَ من المكانة العلمية والفقهية والقضائية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيزعمون أن عليًّا لم يكن ذا بصرٍ بالسياسة ولا بالقضاء، ويشككون في حديث: «أقضاكم علي»، ويزعمون أن فقه أهل السنة مأخوذٌ عن ابن عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود دون عليٍّ!
مدونات طه الدليمي ومرئيات صابر مشهور وتغريدات وسام العظمة في الانتقاص من علم عليٍّ وقضائه رضي الله عنه.
إن الطعن في علم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفقهه وقضائه هو سفاهةٌ لم يجرؤ عليها أعداؤه في الجاهلية ولا في الإسلام، بل هو تكذيبٌ صريحٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وللفاروق عمر بن الخطاب، ولإجماع الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة؛ وبيان ذلك من أربعة وجوهٍ قاطعة:
أولًا: نصّ «صحيح البخاري» القاطع في شهادة عمر الفاروق: «أقضانا علي»!
زعمُ النواصب أن حديث «أقضانا علي» حديثٌ ضعيفٌ أو شيعيٌّ كذبٌ مفضوح؛ فقد أخرجه الإمام البخاري في «صحيحه» (رقم 4481 في كتاب التفسير) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ، وَذَاكَ أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ: لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾».
تأمّل هذا النصّ المخرّج في «صحيح البخاري»: الفاروق عمر رضي الله عنه يشهد لعليٍّ بأنه «أقضى الصحابة على الإطلاق»، ثم يستدرك عمر على أُبيّ بن كعب في قراءة المنسوخ ولا يستدرك على قضاء عليٍّ حرفًا واحدًا! وقد روى النبي صلى الله عليه وسلم أصلَ ذلك في حديث أنس بن مالك (عند الترمذي: 3790 وصححه، وأحمد، وابن حبان، والحاكم، وصححه الألباني في الصحيحة: 1224): «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب...»!
ثانيًا: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لعليٍّ حين بعثه قاضيًا إلى اليمن
أخرج الإمام أحمد في «المسند» (602، 1185)، وأبو داود (3582)، والترمذي (1331) وحسّنه، وابن ماجه (2310)، والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا، فقلت: «يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السنّ ولا علم لي بالقضاء؟»، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدري بيده وقال: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ، وَثَبِّتْ لِسَانَهُ! فَوَاللَّهِ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدُ!».
فمن طعن في قضاء عليٍّ رضي الله عنه فقد طعن في استجابة الله لدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهدِ قلبه وثبّت لسانه»!
ثالثًا: شهادة عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة لفقه عليٍّ وقضائه
تواترت الآثار الصحيحة في «مصنف عبد الرزاق» و«مصنف ابن أبي شيبة» و«سنن الدارمي» و«الاستيعاب لابن عبد البر» عن سادات الصحابة في الإقرار بأعلمية عليٍّ في القضاء والفتوى:
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قضايا مشكلاتٍ حلّها عليٌّ (كقضية المجنونة، والتي وضعت لستة أشهر): «لولا عليٌّ لهلك عمر!»، وكان عمر يتعوّذ بالله من معضلةٍ ليس لها أبو الحسن! (أخرجه أحمد في فضائل الصحابة وابن عبد البر بسند حسن).
- وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (كما في مصنف ابن أبي شيبة والدارمي بسند صحيح): «إنّ أعلمَ أهل المدينة بالفرائض والقضاء عليُّ بن أبي طالب!»، وقال: «كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة عليٌّ».
- وقال عبد الله بن عباس حبر الأمة رضي الله عنهما (كما عند عبد الرزاق وابن عبد البر بسند صحيح): «إذا ثبت لنا الشيء عن عليٍّ لم نعدل به إلى غيره!»، وقال: «أُعطي عليٌّ تسعة أعشار العلم، وإنه لأعلمهم بالعُشر الباقي!».
- وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم (1226) لما سُئلت عن المسح على الخفين: «ائتوا علي بن أبي طالب فاسألوه فإنه أعلم بذلك مني»، وقالت لما سُئلت عن متعة الحج: «أعلمُ الناسِ بالسنة عليٌّ!».
رابعًا: كذب دعوى أن فقه أهل السنة خالٍ من فقه عليٍّ رضي الله عنه
إن كتب الفقه المقارن والآثار — كـ«مصنف ابن أبي شيبة» و«مصنف عبد الرزاق» و«السنن الكبرى للبيهقي» و«الأوسط لابن المنذر» و«المغني لابن قدامة» — تشتمل على آلاف الأقضية والفتاوى المسندة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في العبادات والمعاملات والفرائض (كالمسألة المنبرية والمشتركة والأكدرية) والحدود والجنايات وقتال أهل البغي (الذي أخذ فقهاء المذاهب الأربعة أحكامه كلها من سيرة عليٍّ في الجمل وصفين والنهروان كما نصّ عليه الشافعي في الأم وابن قدامة في المغني)! فخسئ كلّ ناصبيٍّ جاهلٍ أراد طمس شمس الفقه النبوي!
