شبهة شعيب العثماني وصابر مشهور: «بيعة علي بن أبي طالب لم تتم إلا في المدينة من قتلة عثمان ولم يبايعه أهل الأمصار!»
نصّ الشبهة
يزعم شعيب العثماني وصابر مشهور ووسام العظمة أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم تنعقد له بيعةٌ عامةٌ في أرجاء الدولة الإسلامية، بل بايعته شرذمةٌ من الثوار في المدينة، وامتنعت بقية الأمصار وكبار الصحابة عن مبايعته، فلم يكن إمامًا مجمعًا عليه في يومٍ من الأيام!
مقاطع شعيب العثماني وصابر مشهور وتغريدات وسام العظمة في الطعن في انعقاد خلافة علي رضي الله عنه.
هذه الفرية التي يردّدها شعيب العثماني وصابر مشهور تجمع بين الجهل الفاضح بأصول الفقه السياسي الإسلامي (شروط انعقاد الإمامة)، والتزوير الصريح لوقائع التاريخ وجغرافيا الخلافة الراشدة؛ وتفنيدها يقوم على أربعة أركانٍ قاطعة:
أولًا: بماذا تنعقد الخلافة الشرعية بإجماع أهل السنة؟
أجمع فقهاء الإسلام وأئمة العقيدة السلفية — كالإمام أحمد بن حنبل، والشافعي، والماوردي في «الأحكام السلطانية»، وأبي يعلى الفراء، والجويني، وشيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» (1/ 530، 4/ 388) — على أن الإمامة العظمى تنعقد بـبيعة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار في عاصمة الخلافة (المدينة النبوية)، ولا يُشترط لانعقادها أن يضع كلّ فردٍ في أقاصي القرى والأمصار يده في يد الخليفة!
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه انعقدت خلافته يوم السقيفة وفي المسجد النبوي ببيعة المهاجرين والأنصار في المدينة قبل أن يبلغ الخبرُ مكةَ والطائفَ واليمنَ والبحرينَ وعُمان! وعمرُ بن الخطاب وعثمانُ بن عفان انعقدت بيعتهما في المدينة النبوية ببيعة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار ثم تبعتهم الأمصار؛ وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه بويع في المسجد النبوي الشريف بعد مقتل عثمان ببيعة أهل الحل والعقد الحاضرين بالمدينة من المهاجرين والأنصار (طلحة، والزبير، وسعد، وعمار، وأبي أيوب، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وسائر البدريين والأنصار)، فصارت خلافته منعقدةً شرعًا واجبةَ الطاعة على كل مسلمٍ في مشارق الأرض ومغاربها!
ثانيًا: خريطة الأمصار الإسلامية التي بايعت عليًّا ودخلت في طاعته!
أما دعوى العثماني ومشهور أن «الأمصار لم تبايع عليًّا»، فهي كذبةٌ مصلعةٌ يكذّبها التاريخ والجغرافيا؛ فتعالَ نستعرض أمصار دولة الإسلام يوم بويع عليٌّ رضي الله عنه سنة 35هـ (كما وثّقه خليفة بن خياط في تاريخه، والطبري، وابن الأثير، وابن كثير في البداية والنهاية: 7/ 240):
- ١. المدينة النبوية (عاصمة الخلافة): بايعته عن بكرة أبيها، وولّى عليها سهل بن حنيف ثم تمام بن عباس ثم أبا أيوب الأنصاري.
- ٢. مكة المكرمة والطائف (الحجاز): بايعته ودخلت في طاعته، وولّى على مكة قثم بن عباس رضي الله عنهما.
- ٣. اليمن وصنعاء والجند: بايعته ودخلت في طاعته، وولّى عليها عبيد الله بن عباس رضي الله عنهما.
- ٤. الكوفة وسواد العراق والمدائن والجزيرة: بايعته عن بكرة أبيها وفيها مئاتٌ من الصحابة البدريين وأصحاب الشجرة، واتخذها حاضرة خلافته.
- ٥. البصرة والأهواز وفارس وكرمان وسجستان وخراسان: بايعته ودخلت في طاعته، وولّى على البصرة عثمان بن حنيف ثم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وولّى على فارس زياد بن أبيه وخريت بن راشد، وولّى على خراسان جعدة بن هبيرة المخزومي!
- ٦. مصر (الفسطاط والإسكندرية): بايعته ودخلت في طاعته، وولّى عليها الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ثم محمد بن أبي بكر ثم الأشتر النخعي (قبل أن يستولي عليها عمرو بن العاص سنة 38هـ).
- ٧. البحرين وعُمان واليمامة: بايعته ودخلت في طاعته، وولّى عليها عمر بن أبي سلمة والنعمان بن عجلان الزرقي!
فلم يبقَ في العالم الإسلامي كله خارجًا عن بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلا إقليمٌ واحدٌ فقط هو الشام؛ حيث امتنع واليه معاوية بن أبي سفيان عن البيعة متعللًا بالمطالبة بدم عثمان أولًا، مع إقراره بأن عليًّا أحقّ بالخلافة منه!
ثالثًا: شهادة شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم وابن حجر
قال الإمام ابن حزم في «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (4/ 159) وشيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» (4/ 389): «إن عليًّا رضي الله عنه بايعه جميع الصحابة في المدينة والأمصار، ولم يتخلف عن بيعته إلا معاوية ومن معه في الشام، وطائفةٌ يسيرةٌ اعتزلوا القتال في الفتنة مع إقرارهم بإمامته وصلاتهم خلفه وخلف نوابه»؛ فمن زعم أن عليًّا لم تبايعه إلا شرذمةٌ في المدينة فقد بهت أمة محمد صلى الله عليه وسلم وافترى على التاريخ!
