شبهة: «عمار بن ياسر لم تقتله الفئة الباغية من جيش الشام، بل قتله عليٌّ لأنه هو الذي جاء به إلى المعركة!»
نصّ الشبهة
يردد بعض النواصب المعاصرين كصابر مشهور ووسام العظمة تلك الكلمة القديمة التي أُشيعت يوم صفين للفرار من دلالة الحديث النبوي المتواتر «ويح عمار تقتله الفئة الباغية»، فيزعمون أن عمار بن ياسر رضي الله عنه لم تقتله الفئة الباغية من جيش الشام، بل «إنما قتله علي بن أبي طالب لأنه هو الذي جاء به وألقاه بين رماحنا وسيوفنا!».
الشبهة المروية عن بعض أهل الشام يوم صفين وتلقفها صابر مشهور ووسام العظمة في مقاطعهم وتغريداتهم.
هذه الشبهة المتهافتة هي أقدمُ حيلةٍ لفظيةٍ وسفسطةٍ جدليةٍ وُضعت في التاريخ الإسلامي للفرار من نصٍّ نبويٍّ قاطعٍ متواتر؛ وقد دمغها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والصحابة وأئمة الإسلام في حينها وبعدها بحججٍ دامغةٍ لا تُبقي لمكابرٍ متمسكًا، وبيان ذلك من خمسة وجوه:
أولًا: الجواب العلويّ والصحابيّ المفحم الذي قطع ألسنة المشغّبين
لما قُتل الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه يوم صفين سنة 37هـ وهو ابنُ ثلاثٍ وتسعين سنةً في صفّ أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه، اضطرب كثيرٌ من أهل الشام لأنهم كانوا يحفظون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواتر: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ»، فقيل لبعضهم تسكينًا للجند: «إنما قتله من جاء به!»، فبلغت هذه الكلمة أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه ومحمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمرو بن العاص، فردّ عليٌّ رضي الله عنه بجوابٍ صاعقٍ رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (8/ 172) وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/ 259) والحاكم في «المستدرك» (3/ 387) وذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (7/ 268)، فقال:
«أَفَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ جَاءَ بِهِ إِلَى أُحُدٍ؟! أَفَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَشُهَدَاءَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَمُؤْتَةَ حِينَ أَخْرَجَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ؟!».
وهذا إلزامٌ برهانيٌّ لا انفكاك عنه أبدًا؛ فإن كان إخراجُ الإمامِ جندَه لدفع البغاة أو قتال المعتدين يجعل الإمامَ هو «القاتلَ» لمن استُشهد من جنده، للزم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ هم قتلةَ جميع شهداء الصحابة في غزوات الإسلام وحروب الردة والفتوحات، ولبرئت ذمةُ الكفار والمرتدين والبغاة الذين باشروا قتلهم بالسيف! وهذا قلبٌ للشريعة واللغة والعقل معًا.
ثانيًا: تمام نصّ الحديث في صحيح البخاري يبطل هذا التأويل من أساسه
لم يقتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عمار على جملة «تقتله الفئة الباغية»، بل أردفها بقيدٍ عظيمٍ يحسم النزاع إلى يوم القيامة؛ ففي صحيح البخاري (447، 2812) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ!».
وقد وقف الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في «فتح الباري» (1/ 542) عند هذه الزيادة النبوية المحكمة فقال ما نصّه: «وقولُهم: (إنما قتله من جاء به) تأويلٌ باطلٌ مردود؛ لأن الحديث صريحٌ في قوله: (يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)، فلو كان المرادُ بالفئة الباغية عليًّا وأصحابَه لأنهم جاءوا به، للزم أن عمارًا كان يدعو عليًّا إلى الجنة، وكان عليٌّ يدعوه إلى النار! وهذا لا يقوله عاقلٌ ولا مسلم، لأن عمارًا كان من رؤوس جيش عليٍّ الداعين إلى طاعته وقتال من خرج عليه».
فانظر كيف حرس الوحيُ النبويُّ نصَّه من تحريف المتأولين؛ فعمارٌ رضي الله عنه كان يدعو مقاتليه من أهل الشام إلى طاعة الإمام المبايَع له بالحق واجتماع الكلمة (وهو السبيل الموصل إلى الجنة)، وهم يدعونه إلى الفرقة والقتال على غير إمامٍ حقٍّ (وهو السبيل المفضي إلى النار لولا عفو الله عن المتأولين).
ثالثًا: شهادة عبد الله بن عمرو بن العاص في قلب معسكر الشام
مما يفضح تعصب النواصب الجدد أن الذي أنكر هذا التأويل الفاسد يوم صفين هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وهو في معسكر أبيه ومعاوية! فقد ثبت في «مسند أحمد» (6500، 6929) و«السنن الكبرى» للبيهقي (8/ 172) و«دلائل النبوة» بإسنادٍ صحيحٍ أن رجلين أتيا عمرو بن العاص يختصمان في دم عمار وسلبه، كلٌّ منهما يقول: «أنا قتلته!»، فقال عبد الله بن عمرو: «ليتخزَ رجلٌ منكما لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية!»، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: «ألا تسمع ما يقول هذا؟»، فلما قيل: «إنما قتله من جاء به»، قال عبد الله بن عمرو: «فهم إذًا قتلوه؟! بل نحن قتلناه حين ضربناه بالسيوف!»، وندم عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أشدّ الندم على شهوده صفين وإن لم يضرب فيها بسيفٍ ولا طعن برمح.
رابعًا: إجماع أئمة أهل السنة على دلالة الحديث الصريحة
أجمع أئمة أهل السنة والجماعة قاطبةً على بطلان تأويل «قتله من جاء به»؛ قال الإمام البيهقي في «الاعتقاد» (ص 372): «وفي هذا الحديث بيانٌ ظاهرٌ في أن عليًّا رضي الله عنه كان هو المصيبَ في قتاله، وأن الفئة المقاتلة له كانت هي الباغية»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (35/ 75): «وهذا الحديث يدل على صحة إمامة عليٍّ ووجوب طاعته، وأن الداعين إلى طاعته داعون إلى الجنة، وأن مقاتليه بغاةٌ متأولون وإن لم يكفروا ببغيهم»، وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (7/ 268): «وهذا الذي تأوله معاوية بعيدٌ جدًّا، والذي قاله عليٌّ هو الحقّ الصريح؛ فإن مباشرة القتل إنما كانت من أصحاب الشام لا من أصحاب العراق». فإحياء النواصب الجدد لتلك المغالطة الميتة ليس إلا محادةً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع علماء الأمة.
