شبهة النواصب الجدد: إنكار وقوع سبّ علي بن أبي طالب على بعض منابر بني أمية وتكذيب حديث سعد بن أبي وقاص وسهل بن سعد في صحيح مسلم!
نصّ الشبهة
يزعم صابر مشهور وطه الدليمي وغلاة المروانية المعاصرون أن القول بوقوع سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بعض منابر بني أمية «كذبة شيعية عباسية خالصة لا أصل لها في التاريخ»، وحين يُواجهون بنصوص صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص وسهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهم، يطعنون في صحيح مسلم أو يزعمون أن معنى (ما منعك أن تسب أبا التراب) هو: ما منعك أن تخطّئه في الاجتهاد!
مقاطع صابر مشهور ومنشورات طه الدليمي ومدونات المروانية الجدد حول تاريخ بني أمية وصحيح مسلم.
إن منهج أهل السنة والجماعة هو العدلُ المحضُ والصدقُ الخالصُ للهِ ربّ العالمين؛ فهم لا يكذبون كالرافضة الذين يزعمون أن الصحابة والأمة ارتدوا وظلوا يلعنون عليًّا في كل صلاة، ولا يجحدون الحقائق الثابتة كالنواصب الجدد الذين يكذّبون «صحيح مسلم» لتبرئة كل والٍ أمويٍّ من الخطأ! وبيان الحق القاطع في هذه المسألة يقوم على أربعة أركان:
أولًا: النصوص القطعية الصريحة في «صحيح مسلم» التي لا يردّها إلا زائغ
ثبت في «صحيح مسلم» بأصحّ الأسانيد على وجه الأرض حديثان صريحان لا يقبلان التأويل ولا التلاعب اللغوي:
- الحديث الأول: ما رواه مسلم في صحيحه (2404) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال سعدٌ رضي الله عنه: أما ما ذكرتُ ثلاثًا قالهنّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبّه؛ لأن تكون لي واحدةٌ منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وخلّفه في بعض مغازيه: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي؟)، وسمعته يقول يوم خيبر: (لأعطينّ الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)،ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: (اللهم هؤلاء أهلي)».
- الحديث الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه (2409) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: «استُعمل على المدينة رجلٌ من آل مروان، فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليًّا! فأبى سهل، فقال له: أما إذ أبيتَ فقل: لعن الله أبا التراب! فقال سهل: ما كان لعليٍّ اسمٌ أحبّ إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دُعي بها!»، ثم قصّ عليه كيف كنّاه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي ترابٍ في المسجد النبوي.
فتأمّل قول الوالي المرواني لسهل بن سعد في صحيح مسلم: «أما إذ أبيتَ فقل: لعن الله أبا التراب!»؛ فهل هذا مجرد «سؤالٍ عن سبب عدم تخطئته في الاجتهاد» كما يدلّس النواصب، أم هو أمرٌ صريحٌ بالشتم واللعن واجهه الصحابي الجليل بالإباء الصارم والصدع بفضائل عليٍّ رضي الله عنه؟!
ثانيًا: شهادة أم المؤمنين أم سلمة وسادات الصحابة في إنكار ذلك البغي
لم يقتصر الأمر على حديثي مسلم، بل تواترت الآثار الصحاح والحسان في دواوين السنة:
ففي «مسند أحمد» (26748) و«المستدرك» (3/ 121) وصححه الذهبي والألباني عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلتُ على أم سلمة رضي الله عنها فقالت لي: «أيُسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم؟!» قلتُ: معاذ الله، أو سبحان الله، أو كلمة نحوها! قالت: «سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ سَبَّنِي!».
وفي «الأدب المفرد» للبخاري (964) و«تاريخ الطبري» بإسنادٍ صحيحٍ عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان بن الحكم أميرًا علينا سنين، فكان يسبّ عليًّا كل جمعة على المنبر، ثم عُزل واستُعمل سعيد بن العاص سنين فكان لا يسبّه، ثم أُعيد مروان فكان يسبّه! وقيل للحسن بن علي رضي الله عنهما: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فكان الحسن لا يدخل المسجد حتى يفرغ مروان من خطبته ويدخل عند الإقامة، فلما أرسل إليه مروان بالشتم في بيته قال الحسن للرسول: «قل له: والله لا أمحو عنك شيئًا مما تقول بأن أسبّك، ولكن موعدي وموعدك الله، فإن كنتَ صادقًا جزاك الله بصدقك، وإن كنتَ كاذبًا فالله أشدّ نقمةً!».
ثالثًا: تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي وابن كثير
لم يكتم أئمة أهل السنة هذه الحقيقة التاريخية قطّ، بل قرروها ووضعوها في نصابها الشرعي العادل؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «منهاج السنة النبوية» (4/ 407): «وأما كون بعض بني أمية كانوا يسبون عليًّا، فهذا لم يكن من جميعهم، ولا كان مما يرضاه خيارُهم ولا عامةُ المسلمين، بل كان من باب البغي الذي يقع بين المتحابّين على الملك؛ كما كان بعض أصحاب عليٍّ يسبّون معاوية وأهل الشام ويلعنونهم في القنوت... ولكن لما كان عليٌّ وأهلُ بيته أحقَّ بالمحبة والتعظيم، كان سبُّهم أعظمَ إثمًا وأشدَّ منكرًا عند الله وعند المؤمنين، بل كلما ازداد بعضُ الولاة سبًّا لعليٍّ ازدادت قلوبُ المؤمنين له محبةً وتعظيمًا!».
رابعًا: منقبة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في إبطال السبّ واستبداله بآية العدل
أجمع المؤرخون والمفسرون وأئمة السير (كابن سعد في الطبقات 5/ 393، والذهبي في سير أعلام النبلاء 5/ 147، وابن كثير في البداية والنهاية 9/ 209، والسيوطي في الإتقان) على أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما ولي الخلافة سنة 99هـ أبطل ما كان يصنعه بعضُ أهل بيته وولاتهم من ذكر عليٍّ بسوءٍ في أواخر الخطب، وأمر الخطباء في جميع الأمصار أن يجعلوا مكانه قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فصارت هذه الآية الكريمة خاتمةَ خطب الجمعة في مشارق الأرض ومغاربها إلى يومنا هذا، شاهدةً بظلم من ابتدع السبّ، وبفضل عمر بن عبد العزيز الذي أحيى السنة وأمات البدعة، وفاضحةً لكذب النواصب الجدد الذين يجحدون الشمس في رابعة النهار!
