شبهة غلاة النواصب: تبرئة عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن من جريمة قتل الحسين بن علي وإلقاء اللوم على الحسين!
نصّ الشبهة
يزعم غلاة النواصب المعاصرون كوسام العظمة وصابر مشهور أن عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن لم يظلموا الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء، بل كانوا «رجال دولة وأمن يطبقون النظام، وعرضوا على الحسين الاستسلام والنزول على حكم الأمير عبيد الله بن زياد فرفض وقاتلهم، فدافعوا عن أنفسهم وقتلوه بحق!».
تغريدات وسام العظمة ومقاطع صابر مشهور في تبرئة عبيد الله بن زياد وجيشه يوم كربلاء.
إن تبرئة الطاغية عبيد الله بن زياد وشمر بن ذي الجوشن وعمر بن سعد من جريمة ذبح ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما وأهل بيته في كربلاء، وتصويرَ أولئك القتلة الفجرة في صورة «رجال أمنٍ يدافعون عن أنفسهم»، هو انحطاطٌ أخلاقيٌّ ومروقٌ عقديٌّ وتزويرٌ للتاريخ المتواتر؛ ونقضُ هذا البهتان يقوم على أربعة براهين دامغة:
أولًا: توثيق إجرام عبيد الله بن زياد وتمثيله برأس الحسين في «صحيح البخاري» والسنن
يزعم النواصب الجدد أن إجرام ابن زياد «من مخترعات أبي مخنف الشيعي»! فليقرؤوا ما رواه الإمام البخاري في صحيحه (3748) والترمذي (3778) وأحمد بإسنادٍ كالشمس:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ عَلَيْهِ (أي يضرب ثغره وأنفه بقضيبه)، وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا! فَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ!».
وفي رواية البخاري ومسند أحمد عن أبي برزة الأسلمي وزيد بن أرقم رضي الله عنهما أنه لما جعل ابنُ زيادٍ ينكت بقضيبه في ثغر الحسين، صاح به الصحابي الجليل زيد بن أرقم رضي الله عنه: «ارفع قضيبك! فوالله لطالما رأيتُ شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبّلهما!» ثم بكى، فقال له الطاغية ابن زياد: «أبكى الله عينيك! فوالله لولا أنك شيخٌ قد خرفتَ وذهب عقلك لضربتُ عنقك!». وثبت في «سنن الترمذي» (3780) وقال: «حسن صحيح» عن عمارة بن عمير أنه لما قُتل عبيد الله بن زياد وأصحابه ونُصبت رؤوسهم في رحبة مسجد الكوفة، جاءت حيّةٌ فكانت تدخل في منخري عبيد الله بن زياد وتمكث هنيهةً ثم تخرج، ففعلت ذلك ثلاث مرات! أفبعد نصّ البخاري والترمذي يزعم ناصبيٌّ أن ابن زياد كان «رجل دولةٍ عادلًا»؟!
ثانيًا: الحسين رضي الله عنه طلب الانصراف وحقن الدماء، وابن زياد هو الذي أصرّ على الذبح!
أجمع المؤرخون وأئمة السنة قاطبةً — كخليفة بن خياط في تاريخه (ص 234)، والطبري (5/ 414)، وابن تيمية في «منهاج السنة» (4/ 557) و«مجموع الفتاوى» (4/ 487)، والذهبي في «السير» (3/ 300)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (8/ 178) — على أن الحسين رضي الله عنه لما حوصر بكربلاء ومُنع وأطفالُه ونساؤه من الماء، عرض على عمر بن سعد ثلاث خصالٍ تقطع كل عذر:
- أن يدعوه يرجع إلى مكة من حيث أتى.
- أو أن يذهب إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين فيقاتل الكفار ويكون كأحد رجال المسلمين.
- أو أن يسير بنفسه إلى يزيد بن معاوية في دمشق فيضع يده في يده.
فكتب عمر بن سعد بذلك إلى عبيد الله بن زياد، فحرّضه شمرُ بن ذي الجوشن وقال: «لا والله، حتى ينزل على حكمك هو وأصحابه!»، فبعث ابن زياد شمرَ بن ذي الجوشن بكتابٍ إلى عمر بن سعد يقول فيه: «إني لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه ولا لتطاوله ولا لتمنّيه السلامة والبقاء! انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلمًا، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم، فإن قُتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، وإن أبيتَ فاعتزل جندنا وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر!»، فاختار عمر بن سعد ولاية الريّ الفانية على الآخرة الباقية، وقاتل الحسينَ وأهلَ بيته حتى ذبحهم عطاشى!
ثالثًا: لماذا كان طلب «النزول على حكم ابن زياد» طلبَ قتلٍ وإذلالٍ لا طلبَ أمان؟
يقول النواصب بخبثٍ: «ولماذا لم ينزل الحسين على حكم ابن زياد ويستسلم له؟!»؛ والجواب يعلمه كل عاقل: إن «النزول على الحكم» في الفقه والعرف العسكري معناه التسليمُ المطلقُ للخصم ليقتل أو يصلب بلا عهدٍ ولا أمان! وقد كان عبيد الله بن زياد قبل أيامٍ معدودةٍ قد غدر بابن عمّ الحسين مسلم بن عقيل رضي الله عنه بعد أن أُعطي الأمان، فضرب عنقه فوق القصر وألقى جثته ورأسه إلى الأرض، وقتل هانئ بن عروة، وقتل رسل الحسين (قيس بن مسهر وعبد الله بن يقطر)! فكيف يُطلب من سيّد شباب أهل الجنة وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلّم عنقه وأعناق أهل بيته ونسائه أسارى بلا أمانٍ لجلادٍ غادرٍ فاسقٍ قد ذبح رسلَه؟! إن امتناع الحسين رضي الله عنه عن هذا الذلّ وقتالَه دون نفسه وأهله حتى قُتل شهيدًا هو عينُ الشريعة والرجولة والشرف النبوي.
رابعًا: إجماع أئمة أهل السنة على فسق ابن زياد وعمر بن سعد وشمر وبغيهم
قال الحافظ الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (3/ 314) في ترجمة ابن زياد: «الأميرُ الظالمُ الجبّارُ الفاسقُ المبيرُ عبيد الله بن زياد!»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (25/ 307): «إن الحسين رضي الله عنه قُتل مظلومًا شهيدًا، وقتلتُه ظالمون معتدون، وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين!». فمن برّأ ابنَ زيادٍ وشمرَ وألقى اللوم على الحسين فقد شاقّ الله ورسوله وصار شريكًا للقتلة برضاه بفعلهم.
