قضية التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما: كشف الأساطير الموضوعة حول أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص
قلّما توجد حادثةٌ في التاريخ الإسلامي تعرّضت للتشويه القصصي والمسرحي مثل حادثة «التحكيم» التي أعقبت معركة صفين سنة 37هـ بين حكمَي الفريقين: الصحابي الجليل أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه (من قِبل أمير المؤمنين عليٍّ)، والصحابي الجليل عمرو بن العاص القرشي رضي الله عنه (من قِبل معاوية). فقد شاعت في كتب الأدب والأخبار أسطورةٌ تزعم أن أبا موسى كان مغفّلًا خُدع بخاتمٍ فخلع عليًّا وأثبت عمروٌ معاوية! وهذه القصة باطلةٌ إسنادًا ومتنًا عند أئمة النقد الحديثي.
١. حقيقة وثيقة التحكيم في صفين ومقصدها الشرعي في حقن الدماء
حين طال القتال في صفين وكادت فناءُ العرب يقع على ثغور الإسلام، رُفعت المصاحفُ للدعوة إلى تحكيم كتاب الله عز وجل؛ فقبل أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه وقف القتال حقنًا لدماء المسلمين وإلزامًا بالحجة الشرعية، وكتب الفريقان في صفر سنة 37هـ وثيقةً يلتزم فيها الحكمان (أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص) بأن ينظرا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لإصلاح ذات البين وجمع كلمة الأمة في «دومة الجندل» أو «أذرح».
ولم يكن قبولُ التحكيم خطيئةً ولا كفرًا كما زعمت الخوارج المارقة الذين انقلبوا على عليٍّ بعد أن ألحّوا عليه في قبوله، بل كان التحكيم تطبيقًا صريحًا لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9]؛ كما ناظرهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فرجع منهم أربعة آلاف!
٢. بطلان أسطورة «خديعة الخاتم» إسنادًا ومتنًا في ميزان النقد الحديثي
الرواية المشهورة في كتب الأدب التي تزعم أن عمرو بن العاص خدع أبا موسى الأشعري فاتفقا سرًّا على خلع عليٍّ ومعاوية معًا، فلما صعد أبو موسى فخلع عليًّا بخاتمه صعد عمروٌ فأثبت معاوية وتسابّا؛ مدارُها على أبي مخنف لوط بن يحيى (وهو إخباريٌّ رافضيٌّ هالكٌ متروكٌ باتفاق الحفاظ)، أو على طرقٍ منقطعةٍ واهيةٍ لا يثبت منها شيء!
وفضلًا عن تهافت إسنادها، فإن متنها باطلٌ من وجوهٍ قاطعة:
- أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه من كبار فقهاء الصحابة وقضاتهم الذين ولاهم النبي صلى الله عليه وسلم وعمر وعثمان، وقال فيه الشعبي: «قضاة الأمة أربعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى»، فكيف يُصوّر هذا الفقيه المحنّك في صورة الأبله المخدوع؟!
- أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لم يكن مدّعيًا للخلافة أصلًا يوم صفين ولا بايعه أحدٌ بالخلافة يومئذٍ حتى يُخلع منها أو يُثبت فيها!
٣. الرواية الصحيحة الثابتة في «تاريخ البخاري» و«المصنف» لما جرى في دومة الجندل
روى الإمام البخاري في «التاريخ الكبير» (5/ 398)، وعبد الرزاق في «المصنف» (5/ 461)، وخليفة بن خياط، والدارقطني، وابن عساكر، وصحّحه القاضي أبو بكر بن العربي في «العواصم من القواصم» والحافظ ابن حجر: من طريق حصين بن عبد الرحمن عن أبي جميلة (شاهد عيانٍ حضر التحكيم) وعن الشعبي وأبي بردة بن أبي موسى أن الذي جرى بين الحكمين هو حوارٌ فقهيٌّ رصين:
قال عمرو بن العاص لأبي موسى: «يا أبا موسى، ألم تعلم أن عثمان قُتل مظلومًا، وأن معاوية وآل معاوية أولياء دمه؟»، قال أبو موسى: «بلى، ولكن لمَ لا نردّ الأمر شورى في خيار المهاجرين أو نولي عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي لم يدخل في شيءٍ من هذه الفتنة؟»، فلم يتفقا على رأيٍ واحدٍ وانفضّ المجلس دون خديعةٍ ولا سباب!
٤. كيف يتقاطع النواصب الجدد والروافض في الطعن بأبي موسى الأشعري؟
إن الروافض يروّجون أسطورة أبي مخنف ليشتموا أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، بينما يتلقفها بعض النواصب الجدد ليصوّروا عمرو بن العاص «داهيةً ماكرًا غلب معسكر عليٍّ»! وأهل السنة يبرّئون الصحابيين الجليلين من الخديعة والغدر ويثبتون الرواية المسندة الصحيحة.
