معركة الجمل ومعركة صفين: قراءة سنية محررة تثبت أن علياً وأصحابه أولى بالحق مع حفظ عدالة الصحابة
تمثّل وقعتا «الجمل» (جمادى الآخرة 36هـ) و«صفين» (صفر 37هـ) الامتحانَ الأعظم لمنهج القراءة التاريخية والعقدية في الإسلام؛ ففيهما انحرفت الخوارجُ فكفّرت الطائفتين معًا، وانحرفت الروافضُ فكفّرت طلحة والزبير وعائشة ومعاوية رضي الله عنهم، وانحرفت النواصبُ قديمًا وحديثًا فخطّأت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه واتهمته بإيواء قتلة عثمان! أما أهل السنة والجماعة فقد استناروا بالوحي المعصوم في الكتاب والسنة، فحرروا قراءةً علميةً تجمع بين إثبات الحق لعليٍّ وبين حفظ الإيمان والعدالة لسائر الصحابة.
١. حقيقة مسير طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة إلى البصرة ونيّة الإصلاح
ثبت بالأسانيد الصحيحة عند ابن أبي شيبة والطبري والبيهقي في «دلائل النبوة» أن أم المؤمنين عائشة الصديقة وحواريَّ رسول الله الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم لم يخرجوا إلى البصرة لقتال عليٍّ ولا لخلعه من الخلافة قط، وإنما خرجوا بنية الإصلاح بين الناس وتأليب الكلمة على الاقتصاص من الغوغاء الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].
ولما سار إليهم أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه وأرسل إليهم القعقاع بن عمرو التميمي، تراضَوا جميعًا على الصلح واجتماع الكلمة، وبات الجيشان بأطيب ليلةٍ ينتظران إعلان الصلح في الصباح!
٢. كيف نشب القتال يوم الجمل على غير اختيار الأئمة وكيف عظم تراحمهم؟
أطبق المحققون — كالإمام الطبري، وابن العربي، وابن تيمية في «منهاج السنة» (4/ 316)، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر في «فتح الباري» (13/ 55) — على أن الذين أشعلوا القتال في غلس الفجر هم رؤوس قتلة عثمان من الغوغاء والسبئية الذين خافوا أن يصطلح عليٌّ مع طلحة والزبير على قتلهم؛ فهاجموا المعسكرين في الظلام، فظنّ كل فريقٍ أن الآخر غدر به، فوقع القتال دفعًا عن النفس على غير اختيارٍ من عليٍّ ولا طلحة ولا الزبير ولا عائشة رضي الله عنهم!
وقد تجلّى نبلُ الصحابة في قلب المأساة: فذكّر عليٌّ الزبيرَ بقول النبي صلى الله عليه وسلم له فانصرف الزبير عن القتال فقُتل غدرًا بيد ابن جرموز، فبكى عليه عليٌّ وقال: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار!»، وبكى على طلحة ومسح التراب عن وجهه وقال: «رحمك الله أبا محمد، ليتني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة!»، وجهّز أم المؤمنين عائشة بأعظم إكرامٍ وتوقيرٍ إلى المدينة مع أخيها محمد بن أبي بكر، وكانت عائشة تبكي كلما ذكرت يوم الجمل حتى تبلّ خمارها!
٣. معركة صفين: تحرير الخلاف الاجتهادي بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما
وفي وقعة صفين (37هـ)، كان أصل النزاع اجتهاديًّا في ترتيب الأولويات الشرعية:
- اجتهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه (وهو الصواب الموافق للنص): أنه لا بدّ من الدخول في البيعة والجماعة أولًا حتى تستقر الدولة وتقوى شوكة الخليفة، ثم يُقتصّ من قتلة عثمان بالقضاء الشرعي دون إثارة فتنةٍ تستأصل القبائل.
- اجتهاد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه (وهو الاجتهاد المخطئ): أنه وليّ دم عثمان المقتول مظلومًا ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، فلا يبايع حتى يُمكَّن من القصاص من القتلة أولًا.
٤. الميزان العقدي السني: عليٌّ أولى الطائفتين بالحق والمقتتلون مؤمنون إخوة
فصل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا النزاع بوحي السماء قبل وقوعه بثلث قرن! فقال في الخوارج: «تمرق مارقةٌ عند فرقةٍ من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق» (صحيح مسلم: 1064)، والذي قتل الخوارج بالنهروان هو عليٌّ وأصحابه؛ وقال لعمار بن ياسر: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» (البخاري: 447)، فثبت يقينًا أن عليًّا وأصحابه هم الطائفة المحقة المصيبة، وأن مقاتليهم بغاةٌ متأولون مخطئون مغفورٌ لهم بإذن الله لصدق إيمانهم وسابقتهم وشهادة الله لهم بالأخوة الإيمانية في آية الحجرات!
