العقيدة السلفية المحررة فيما شجر بين الصحابة الكرام: كيف جمع أهل السنة بين إثبات إصابة عليٍّ وحفظ عدالة الصحابة

يظنّ كثيرٌ من العوام — بسبب تشغيب النواصب الجدد من جهةٍ والروافض من جهةٍ أخرى — أن المسلم في أحداث الفتنة (الجمل وصفين) لا بدّ أن يختار بين أمرين أحلاهما مرّ: إما أن يطعن في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويسقط خلافته وإصابته (وهو مذهب النواصب)، وإما أن يكفّر ويلعن طلحة والزبير وعائشة ومعاوية رضي الله عنهم (وهو مذهب الروافض)! بينما عقيدةُ أهل السنة والجماعة التي أجمع عليها السلف الصالح والأئمة الأربعة وابن تيمية والذهبي وابن حجر تجمع بين الحقين بنور الكتاب والسنة في خمس قواعد محكمة:

القاعدة الأولى: إثبات الخلافة الراشدة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الخليفة الراشد الرابع بإجماع المهاجرين والأنصار، وخلافته خلافةُ نبوةٍ بنصّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلافة النبوة ثلاثون سنة»، ولم يكن في الأرض يومئذٍ أحدٌ أحقّ بالخلافة منه ولا أفضل منه بعد الثلاثة (أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان).

القاعدة الثانية: عليٌّ رضي الله عنه وأصحابه هم الطائفة المصيبة وأولى الطائفتين بالحق

دلّت النصوص النبوية المتواترة في الصحيحين — كحديث عمار بن ياسر: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»، وحديث أبي سعيد الخدري في الخوارج: «تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» — على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان هو الإمام الحق المصيب في قتاله، وأن الطائفة المقاتلة له كانت طائفةً باغيةً متأولةً مخطئةً في قتاله.

القاعدة الثالثة: البغيُ بتأويلٍ سائغٍ لا يخرج الصحابة من الإيمان ولا العدالة ولا الولاية

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 9-10]؛ فسمّى اللهُ الطائفتين المقتتلتين — الباغيةَ والمبغيَّ عليها — «مؤمنين إخوة»! ولم يقاتل طلحةُ والزبيرُ ومعاويةُ رضي الله عنهم عليًّا عن كفرٍ ولا نفاقٍ ولا إنكارٍ لفضله، بل عن اجتهادٍ وتأويلٍ في مسألة القصاص من قتلة عثمان؛ والمجتهد المخطئ من الصحابة مغفورٌ له خطؤه لما له من سوابق الإيمان والهجرة والصحبة وبشرى الجنة.

القاعدة الرابعة: وجوب الإمساك عن الخوض بالسبّ والطعن وتطهير الألسنة والقلوب

ولهذا كان شعار أهل السنة قولَ عمر بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل: «تلك دماءٌ طهّر الله منها أيدينا، فلا نلطّخ بها ألسنتنا»، وقولهم تاسيًا بآية الحشر: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾.

القاعدة الخامسة: رفضُ الروايات الكاذبة والموضوعة التي وضعها الإخباريون

أكثر ما يُروى في كتب الأدب والأخبار من السبّ والشتائم والمكايدات بين الصحابة الكرام هو من كذب أبي مخنف والواقدي والكلبي وسيف بن عمر؛ فإذا صُفّيت الروايات بميزان الصحيحين، ظهرت عظمةُ الصحابة الكرام، وترحّمُ بعضهم على بعض، وبكاءُ عليٍّ على طلحة والزبير وأهل صفين، وثناءُ معاوية وعائشة على عليٍّ رضي الله عنهم أجمعين.

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى