النسخة اليونينية لصحيح البخاري: قصة التوثيق الخطي والسماعي الأعظم الذي يهدم خرافات صابر مشهور
من أخطر الأكاذيب التي يروّجها الصحفي صابر مشهور لهدم ثقة الشباب بصحيح الإمام البخاري زعمُه المتكرر أن «صحيح البخاري لم تبقَ له مخطوطةٌ أصليةٌ، وأنه كُتب بعد البخاري بقرون، وأن الشيعة والعباسيين والمماليك دسّوا فيه أحاديث فضائل عليٍّ وآل البيت وذمّ الخوارج وبني أمية»! وهذه الفرية لا تصمد لحظةً واحدةً أمام علم المخطوطات والأثبات الحديثية، وتحديدًا أمام قصّة «النسخة اليونينية» التي تُعدّ أعجوبة التوثيق البشري في تاريخ المصنفات العالمية.
١. تواتر الرواية عن الفربري والنسفي: استحالة الدسّ في الجامع الصحيح
حين فرغ أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ) من تصنيف «الجامع المسند الصحيح المختصر»، لم يودعه خزانةً مغلقةً، بل سمعه منه شفهًا وقراءةً أكثرُ من تسعين ألف رجل كما وثّق ذلك الحافظ الفربري والخطيب البغدادي والحافظ ابن حجر في «هدي الساري»! واشتُهرت روايته المتصلة عبر أربعة من كبار تلاميذه الأثبات: أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري (ت 320هـ)، وإبراهيم بن معقل النسفي (ت 295هـ)، وحماد بن شاكر النسوي (ت 311هـ)، وأبي طلحة منصور البزدوي (ت 329هـ).
وعن الفربري وحده تفرّعت تسعةُ أصولٍ مسموعةٍ في مشارق الأرض ومغاربها: كرواية أبي محمد الكشميهني، وأبي الهيثم الكشميهني، وأبي إسحاق المستملي، وأبي محمد السرخسي، وأبي زيد المروزي، وأبي أحمد الجرجاني، ثم رواية كريمة المروزية، وأبي ذر الهروي، والأصيلي الأندلسي؛ فصار الكتاب محفوظًا في خراسان وبغداد ومكة ومصر والقيروان وقرطبة الأندلسية بنسخٍ مسموعةٍ متطابقةٍ يستحيل في العادة والعقل تواطؤ رواتها على زيادة كلمةٍ واحدة!
٢. المجالس السماعية الكبرى للحافظ شرف الدين اليونيني بحضور ابن مالك
وفي القرن السابع الهجري، نهض الإمام المحدّث الحافظ شرف الدين أبو الحسين علي بن محمد اليونيني البعلبكي الحنبلي رحمه الله (ت 701هـ) بمشروعٍ علميٍّ فريدٍ لم يسبقه إليه أحد: فجمع في بعلبك ودمشق أصحّ الأصول الخطية المسموعة لصحيح البخاري في العالم الإسلامي، وعقد لها مجالس مقابلةٍ وتحريرٍ استغرقت سنين طويلة، وأحضر معه إمامَ العربية وصاحبَ الألفية جمال الدين ابن مالك النحوي (ت 672هـ) وجمهرةً من الحفاظ المتقنين!
- الأصل الأول المعتمد في المقابلة: نسخة الحافظ عبد الغني المقدسي المسموعة على أبي الوقت السجزي عن الداوودي عن الحموي عن الفربري عن البخاري.
- الأصل الثاني: نسخة الحافظ أبي ذر الهروي المسموعة على مشايخه الثلاثة (المستملي والحموي والكشميهني) عن الفربري.
- الأصل الثالث: نسخة الأصيلي الأندلسي الجليلة، ونسخة ابن عساكر الدمشقي عن أبي الوقت.
٣. الرموز الخطية الدقيقة ومقابلة الأصول حرفًا حرفًا
وضع الحافظ اليونيني وابن مالك منهجًا صارمًا في ضبط المتن والإسناد: فكان اليونيني يقابل كل كلمةٍ وكل حرفٍ وكل حركةٍ إعرابيةٍ بين هذه الأصول الأربعة المتواترة، ويثبت الفروق اليسيرة بين روايات تلاميذ الفربري برموزٍ دقيقةٍ بالحمرة في الحواشي (مثل: «هـ» لأبي ذر الهروي، و«ص» للأصيلي، و«ش» لابن عساكر، و«ظ» لأبي الوقت)، بينما يضبط الإمام ابن مالك المشكلات النحوية واللغوية على أوجه القراءات الصحيحة!
٤. من الطبعة السلطانية ببولاق إلى اليوم: تهافت خرافة «التزوير»
ومن هذه النسخة اليونينية المضبوطة وتفرعاتها المسموعة (كنسخة الحافظ ابن حجر العسقلاني ونسخة القسطلاني ونسخة الصغاني التي قابلها على نسخة الفربري نفسه!)، طُبعت «الطبعة السلطانية الكبرى» ببولاق سنة 1311هـ بأمر السلطان عبد الحميد الثاني وتصحيح كبار علماء الأزهر، وفيها جميعُ أحاديث فضائل عليٍّ وفاطمة والحسنين وعمار بن ياسر حرفًا بحرف كما ثبتت في أصول القرن الثالث الهجري في الأندلس الأموية وخراسان والشام! فأيُّ جهلٍ أفضح من جهل صابر مشهور حين يزعم أن صحيح البخاري كتابٌ مخترقٌ بلا أصول؟!
