قراءة تأصيلية في رسالة العلامة عبد المحسن العباد «فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة»

في الوقت الذي حاول فيه بعضُ دعاة الموجة الناصبية المعاصرة التمسّح بمدرسة أهل الحديث والسلفية في بلاد الحرمين الشريفين لتمرير جفائهم في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والسبط الشهيد الحسين رضي الله عنهما وتلميعهم ليزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف، صدرت من رحاب المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة وثيقةٌ علميةٌ عقديةٌ بالغة الأهمية: وهي رسالة «فضل أهل البيت وعلوّ مكانتهم عند أهل السنة والجماعة» للعلامة المحدّث المعمَّر الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر حفظه الله (شارح الكتب الستة بالمسجد النبوي)، فكانت فصلَ خطابٍ وحجةً سنيةً دامغةً قطعت ألسنة الغلاة والجفاة معًا.

١. أهمية رسالة العلامة المحدث عبد المحسن العباد ومكانتها العلمية

تكمن الأهمية الفائقة لهذه الرسالة (التي أُدرجت كاملةً ضمن كتابه الجامع «من عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام وأهل البيت رضي الله عنهم») في أنها صدرت عن شيخ المحدثين في المدينة النبوية، وبأسلوبٍ علميٍّ رصينٍ يعتمد على النصوص الصريحة من القرآن الكريم، والصحيحين، والسنن، وكلام أئمة السلف الكبار (كالإمام أحمد بن حنبل، والآجري، وابن تيمية، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر، والشنقيطي).

وقد جاءت الرسالة لتؤكد أن محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم والذبّ عنهم ليست «مجاملاتٍ عاطفية» ولا «تأثرًا بالتشيع» كما يفتري طه الدليمي وصابر مشهور، بل هي فريضةٌ شرعيةٌ وأصلٌ من أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

٢. الأصول القرآنية والحديثية التي جمعها الشيخ في إثبات فضل أهل البيت

رتّب العلامة العباد حفظه الله رسالته في مباحث مترابطةٍ استوعبت دلائل الوحي في شرف آل البيت:

  • تحرير المراد بأهل البيت: فبيّن بالأدلة من سورة الأحزاب وحديث الكساء وحديث الثقلين في صحيح مسلم أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يشملون أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ، وقرابته المؤمنين من آل عليٍّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي الله عنهم.
  • جمع الأحاديث الصحيحة في مناقب عليٍّ وفاطمة والحسنين: حيث ساق من الصحيحين والسنن عشرات الأحاديث المتواترة في فضل أمير المؤمنين عليٍّ («لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق»، «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، «لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله»)، وفضل فاطمة الزهراء («سيدة نساء أهل الجنة»، «فاطمة بضعة مني»)، وفضل الحسن والحسين («سيدا شباب أهل الجنة»، «هما ريحانتاي من الدنيا»).
  • توثيق إكرام الخلفاء الراشدين والصحابة لآل البيت: من قول أبي بكر الصديق: «ارقبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته»، وتقديم عمر بن الخطاب لبني هاشم والحسنين في الديوان والعطاء، والمصاهرات والمسميات المشتركة بين البيتين.

٣. تحرير الشيخ العباد للموقف السلفي الصارم من يزيد بن معاوية وقتلة الحسين والنواصب

عقد العلامة العباد حفظه الله في رسالته فصلًا حاسمًا ردّ فيه على من حاول من المعاصرين تبرئة يزيد بن معاوية أو الدفاع عنه أو التشكيك في مظلومية الحسين رضي الله عنه؛ فنقل نصوص الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي وابن كثير، وخلص إلى تقريراتٍ عقديةٍ قاطعة:

«إن الحسين بن علي رضي الله عنهما قُتل مظلومًا شهيدًا يوم كربلاء، وإن الذين قتلوه أو أعانوا على قتله أو رضوا بذلك ظلمةٌ مجرمون مستحقون للعنة الله والملائكة والناس أجمعين... وإن يزيد بن معاوية لم يكن رجلًا صالحًا فلا يُحبّ، لما جرى في ولايته من مقتل الحسين بن علي وأهل بيته بكربلاء، واستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقعة الحرة، وحصار مكة المكرمة؛ وإن التردّد في ذمّ النواصب أو محاولة تجميل يزيد والحجاج خروجٌ عن جادة أهل السنة والجماعة».

٤. كيف تمثّل هذه الرسالة وثيقةً حاسمةً في وجه موجة النواصب الجدد؟

إن هذه الرسالة الجليلة — ومعها فتاوى أئمة العصر كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني رحمهم الله — تبطل دعوى النواصب الجدد أنهم يمثّلون «أهل السنة»، وتثبت أن مَن انتقص عليًّا أو الحسين أو شمت بالنسائي أو مجّد الحجاج ويزيد فهو مارقٌ عن منهج السلف الصالح وأئمة السنة قديمًا وحديثًا.

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى