قبل أن تخوض معركةً مع فكرٍ وافد، لا بد أن تحرّر اسمَه وحدَّه؛ فإن أخطر ما يلبّس به النواصبُ الجددُ اليوم أن يقول قائلهم: «أنا لا أسبّ عليًّا سبًّا صريحًا كغلاة الخوارج، فكيف تسمّونني ناصبيًّا؟!». ويجتمع مع هذا التلبيس تلبيسٌ آخر من الجهة المقابلة، حيث يرمي الرافضةُ الإماميةُ كلَّ من أحبّ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وترضّى عن معاوية بأنه «ناصبيّ»! وبين هذين التدليسين يضيع الحقّ على من لم يملك ميزانَ أئمة السنة.
إن الناصبية في ميزان أهل السنة والجماعة ليست مقصورةً على من كفّر عليًّا رضي الله عنه بالسيف، بل هي كلُّ إيذاءٍ لأمير المؤمنين عليٍّ أو لأهل بيت النبوة الأطهار بقولٍ أو عمل، أو جحودٍ لفضائلهم الثابتة، أو طعنٍ في إمامة عليٍّ الراشدة، أو شماتةٍ بمصاب الحسين رضي الله عنه وتبرئةٍ لقاتليه.
النَّصْبُ في لسان العرب مأخوذٌ من نصبِ الشيء وإقامته، ومنه قولهم: «نَصَبَ لفلانٍ العداوةَ والحربَ» إذا أقامها له وأظهرها وقصدَه بالأذى. ولما ظهرت طائفةٌ بعد الفتنة الكبرى تجهرُ بالوقيعة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذريته، سمّاهم الصحابةُ والتابعون وأئمةُ الحديث «النواصب» أو «أهل النصب»؛ لأنهم نصبوا العداوةَ والشنآن لعليٍّ وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ضبط شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «العقيدة الواسطية» حدَّ النواصب بضابطٍ شرعيٍّ جامعٍ مانعٍ لا يدع ثغرةً لمراوغ، حيث جعل المعيار هو «الإيذاء بقولٍ أو عمل»؛ فمن آذى أهل البيت بلسانه أو بقلمه أو بطعنه في مناقبهم الثابتة أو بتجريم ساداتهم فقد دخل في مسمى النصب بقدر ما تلبّس به من ذلك.
وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ، وَمِنْ طَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.
ليس النواصبُ على درجةٍ واحدةٍ في الغلوّ والانحراف، بل هم طبقاتٌ ومراتبُ يتدرج فيها المبتلى من دركةٍ إلى دركة؛ وقد جمع النواصبُ الجددُ في عصرنا بين هذه المراتب الأربع في منظومةٍ واحدة:
طبقات الانحراف الناصبي
نَصْبُ الغلوّ والتكفير والسبّ الصريح
وهو حال الخوارج وغلاة النواصب القدامى، وحال «الفرقة العدنانية» المعاصرة الذين يفتخرون بلقب الناصبي ويسبّون عليًّا وفاطمة والحسنين وابن عباس رضي الله عنهم جهارًا، وحال طه الدليمي حين استحسن شتمَ عليٍّ رضي الله عنه وعدّه «علامةً على بداية التصحيح»!
نَصْبُ الطعن في الخلافة وتجريم السبط الشهيد
وهو حال من يزعم أن خلافة عليٍّ رضي الله عنه غير شرعية أو أنها «حكمٌ بالتغلب عقدها قتلة عثمان»، وحال من يسمّي الحسين بن علي رضي الله عنه «خارجيًّا شاقًّا لعصا الطاعة متآمرًا مع الفرس» كما يفعل وسام العظمة وأضرابه.
نَصْبُ ردّ الأحاديث الصحاح وحجب الفضائل
وهو حال من يضيق صدره بسماع مناقب عليٍّ وفاطمة والحسنين وعمار الثابتة في صحيحي البخاري ومسلم، فيزعم أنها «موضوعةٌ في العصر العباسي أو من دسائس الكوفيين» كما يفعل صابر مشهور وطه الدليمي.
نَصْبُ الموازين المقلوبة وتمجيد الجلادين
وهو حال من يتغنى بالحجاج بن يوسف الثقفي (مبير ثقيف) وعبيد الله بن زياد، ويزعم أن يزيد بن معاوية هو «الخليفة الراشد السادس»، بينما يطعن في الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ويشمت بمقتل الإمام النسائي!
امتحان السرائر والأقوال
- يفرح بفضائل أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ كفرحه بفضائل عليٍّ وفاطمة والحسنين رضي الله عنهم.
- يعتقد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الخليفة الراشد الرابع، وأنه كان المصيبَ وأولى الطائفتين بالحق في الجمل وصفين.
- يتفجّع لمقتل الحسين بن علي رضي الله عنه بكربلاء، ويبغض قاتليه كابن زياد وشمر، ولا يرضى بفعلهم أبدًا.
- يعظّم صحيحي البخاري ومسلم وأئمة الحديث كأحمد والنسائي والذهبي وابن تيمية، ويذعن لنصوص الوحي.
- يمسك عمّا شجر بين الصحابة مع حفظ مراتبهم، فلا يطعن في معاوية لصحبته، ولا يرفعه فوق عليٍّ، ولا يقدّس الحجاج.
- ينقبض وجهه عند ذكر فضائل عليٍّ وآل البيت، ويسمّي ذكرها «تشيعًا عاطفيًّا» أو «غزوًا شيعيًّا»!
- يشكّك في شرعية خلافة عليٍّ رضي الله عنه، ويصف جيشه من البدريين والأنصار بـ«الجيش السبئي»!
- يتشفّى بمقتل الحسين رضي الله عنه، وينزّل عليه أحاديث الخوارج وميتة الجاهلية، ويحمّله وزر الدماء!
- يطعن في صحيح البخاري ومسلم والذهبي والطبري والحاكم كلما واجهوه بحديثٍ صحيحٍ يكسر هواه!
- يجعل «الأموية القومية» دينًا بديلًا، فيقدّس الحجاج ويزيد، ويطعن في عمر بن عبد العزيز لأنه أبطل سبّ عليٍّ!
اعلم أن حبَّ آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبَّ صحابته الكرام شطران لإيمانٍ واحد؛ فمن نَصَب العداوةَ لآل البيت زاعمًا أنه ينصر الصحابة فقد كذب على الصحابة وخان وصية الرسول صلى الله عليه وسلم!
