ظنّ كثيرٌ من الباحثين في العقود الماضية أن فرقة «النواصب» قد صارت أثرًا بعد عين، وأنها انقرضت منذ قرونٍ فلم يبقَ لها في الأرض داعٍ ولا منظّر. وكان هذا الظنّ صحيحًا في الجملة بالنظر إلى الحواضر العلمية السنية؛ غير أن طبيعة البدع أنها قد تكمُن تحت الرماد قرونًا، فإذا تهيأت لها بيئةٌ من الجهل الشرعيّ، والاحتقان السياسيّ، وغياب المرجعية الراسخة، عادت للظهور في ثوبٍ جديد!
وهذا الباب يرصدُ الأطوار الخمسة التي مرّت بها لوثةُ النصب عبر أربعة عشر قرنًا، لندرك كيف تناسخت المقالةُ الواحدة من فم الغالي الأول في حروراء ودمشق إلى ميكروفون «اليوتيوبر» المعاصر.
- الطور الأول (37 - 40 هـ)
نَصْبُ الخوارج المارقين: التكفير بالسيف بعد التحكيم
ولدت البذرة الأولى للنصب في معسكر الخوارج بـ(حروراء) والنهروان حين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكفّروه وكفّروا عثمان وأصحاب الجمل وصفين، واستحلّوا دمه الشريف حتى قتله الخارجيّ عبد الرحمن بن ملجم المرادي في فجر رمضان سنة 40هـ وهو يظنّ أنه يتقرّب إلى الله بأعظم القربات!
- الطور الثاني (41 - 99 هـ)
النَّصْبُ السياسيّ والولائيّ في عهد بعض ولاة بني أمية
عقب حروب الفتنة وتداعياتها، نشأ في بعض البيئات والأجهزة الإدارية جفاءٌ سياسيٌّ شديدٌ تجاه عليٍّ رضي الله عنه وبني هاشم، بلغ ذروته على يد ولاة الجور كزياد، وعبيد الله بن زياد (قاتل الحسين في كربلاء سنة 61هـ)، والحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان يمتحن الناس بسبّ عليٍّ رضي الله عنه ويعاقب من يروي فضائله! وفي مقابل هذا الغلوّ وقف الصحابةُ الأحياء وأئمةُ التابعين كابن عمر وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب والحسن البصري يصدعون بفضائل عليٍّ وآل البيت.
- الطور الثالث (99 - 350 هـ)
الإصلاحُ العُمريّ واندحارُ النَّصْب أمام مدرسة الحديث النبوي
في سنة 99هـ اعتلى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله سدة الحكم، فأبطل سبّ عليٍّ على المنابر وأقام العدل، ثم تتابع أئمة الحديث (مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، والنسائي) فدوّنوا فضائل آل البيت بالأسانيد الصحاح، وجعلوا التربيعَ بعليٍّ رضي الله عنه ومودّةَ آل البيت أصلًا من أصول السنة؛ فلم يبقَ للنصب إلا جيوبٌ معزولةٌ من العوام (كتلك التي قتلت الإمام النسائي سنة 303هـ) ثم تلاشت.
- الطور الرابع (القرون الوسطى)
بقايا الغلوّ في التفرقة بين يزيد والحسين في بعض الكتب الشاذة
ظهر في القرنين الخامس والسادس بعض الغلاة المنتسبين إلى السنة (كطائفةٍ من غلاة الكرامية والعدوية) حاولوا تأليف كتبٍ في «فضائل يزيد» والطعن في خروج الحسين رضي الله عنه؛ فتصدّى لهم أئمة السنة الكبار كالإمام ابن الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ الذهبي، والحافظ ابن كثير، فدمغوا هذا المسلك بأنه بدعةٌ ناصبيةٌ منكرة.
- الطور الخامس (العصر الحاضر)
«النواصب الجدد»: تحالف الهوية القومية والإثارة الإعلامية ومعول الحداثة
في العقدين الأخيرين (بعد احتلال العراق سنة 2003م ومجازر الميليشيات الطائفية في العراق وسوريا)، ظهر تيارٌ مأزومٌ استغلّ آلام أهل السنة ليصنع «ردّ فعلٍ ناصبيًّا»؛ يمثّله طه الدليمي (صاحب نظرية التطرف المضاد والقومية الأموية)، وصابر مشهور (الصحفي الذي يطعن في البخاري والذهبي وأحاديث آل البيت ويمجّد الحجاج ويزيد)، ووسام العظمة (الذي يتهم الحسين بالتآمر مع الفرس)، ويوسف علاونة، والفرقة العدنانية.
محرّكات الموجة الناصبية المعاصرة
١. فخّ «ردّ الفعل غير المنضبط بالشرع»
حين رأى بعض الكتّاب جرائم إيران الصفوية والميليشيات الرافضية التي ترفع شعارات «يا لثارات الحسين»، ظنّوا بجهلهم أن كسر الشحنة الرافضية يكون بهدم الرموز التي يتمسح بها الرافضة! فانتقلوا من نقد الخرافة الرافضية إلى الطعن في عليٍّ والحسين وفاطمة رضي الله عنهم أنفسهم!
٢. استبدال العقيدة السنية بـ«القومية الأموية الهوياتية»
تحويل الإسلام من عقيدةٍ ربانيةٍ تدور مع الكتاب والسنة إلى «عصبيةٍ سياسيةٍ أموية» تعتبر كلَّ ما صدر عن ولاة بني أمية — حتى الحجاج وابن زياد — مقدسًا، وتعتبر كلَّ من خالفهم — حتى عليًّا والحسين وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز — خصمًا سياسيًّا!
٣. اقتصاد المشاهدات والتربّح بالصدمة والشذوذ
في عصر يوتيوب ومنصات التواصل، أدرك أمثال صابر مشهور أن مخالفة إجماع الأمة والطعن في البخاري والذهبي وتلقيب يزيد بالراشد السادس يجلب ملايين المشاهدات والتفاعلات، فتحوّل النصبُ إلى تجارةٍ إعلاميةٍ رائجة.
٤. التلاقي الوظيفيّ مع مشروع هدم السنة (تكوين والحداثيين)
التقى النواصبُ الجددُ مع الملاحدة والقرآنيين ومؤسسة «تكوين» في هدفٍ واحد: هدم حجية صحيح البخاري ومسلم وتخوين أئمة الحديث في القرون المفضلة بدعوى «التزوير العباسي»!
من قرأ تاريخ النصب علم أن كل من ناطح صخرةَ آل البيت والصحيحين قد تكسّر قرنُه واندثر ذكرُه، وبقيت عقيدة أهل السنة والجماعة شامخةً تجمع بين الصديق والفاروق وذي النورين وبين المرتضى والزهراء والسبطين!
