وقعة الحرة (63هـ) وحصار مكة: التوثيق التاريخي والحديثي لجريمة استباحة مدينة رسول الله ﷺ

3 أكتوبر 2026 محمد إلهامي

إذا كانت فاجعة كربلاء سنة 61هـ قد كشفت عن الوجه الدمويّ لبطش ولاة يزيد بن معاوية بآل بيت النبوة، فإن «وقعة الحَرَّة» في ذي الحجة سنة 63هـ وحصار مكة المكرمة في المحرم سنة 64هـ قد قطعا كل عذرٍ لمن يحاول من النواصب المعاصرين تبرئة ساحة يزيد وجيشه؛ إذ استُبيحت فيهما مدينةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيامٍ بلياليها، وقُتل فيها بقيةُ المهاجرين والأنصار وأبناؤهم، ثم رُميت الكعبة المشرفة بالمنجنيق!

١. الوعيد النبوي الشديد في الصحيحين لمن أخاف أهل المدينة أو أرادهم بسوء

ثبت في صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد عشراتُ الأحاديث المتواترة في تعظيم حرمة المدينة النبوية وأهلها، والوعيد الشديد لمن أخافهم أو كادهم:

  • روى البخاري (1877) ومسلم (1363) عن سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»، وفي لفظ مسلم: «لَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ».
  • وروى أحمد (16557) والنسائي بسندٍ صحيحٍ عن السائب بن خلاد رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا أَخَافَهُ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».

٢. أسباب وقعة الحرة (63هـ) واستباحة جيش مسلم بن عقبة لدار الهجرة

حين عظم الفساد والجور في ولاية يزيد بن معاوية وبعد مقتل الحسين رضي الله عنه، وفد وفدٌ من أشراف المدينة المنورة — وعلى رأسهم الصحابي عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر (غسيل الملائكة) — إلى دمشق، فرجعوا وقد هالهم ما رأوا من تفريط يزيد ومنكراته، فخلع أهلُ المدينة بيعةَ يزيد في أواخر سنة 62هـ وولّوا على الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى قريش عبد الله بن مطيع العدوي.

فأرسل يزيدُ جيشًا كثيفًا بقيادة الشيخ الفظّ الغليظ مسلم بن عقبة المري (الذي سمّاه السلف: مسرف بن عقبة!)، وأمره أن يدعو أهل المدينة ثلاثًا، فإن أبَوا قاتلهم، فإذا ظهر عليهم «أباح المدينة لجنده ثلاثة أيامٍ؛ فما فيها من مالٍ أو دابةٍ أو سلاحٍ فهو للجند!». وفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 63هـ، هزم جيشُ الشام أهلَ المدينة عند «الحرة الشرقية»، ودخلوا دار الهجرة النبوية فاستباحوها قتلًا ونهبًا وانتهاكًا للحرمات ثلاثة أيامٍ كاملة، وأكره مسلم بن عقبة مَن بقي من الناس على أن يبايعوا على أنهم «خولٌ (عبيدٌ أرقاء) ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم بما شاء»، ومن قال: «أبايع على كتاب الله وسنة رسوله» ضرب عنقه!

٣. شهداء الصحابة والتابعين يوم الحرة وأثر الفاجعة في نفوس السلف

وثّق الإمام خليفة بن خياط في «تاريخه» (ص 250)، والطبري، والذهبي في «تاريخ الإسلام» (5/ 27)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (8/ 220) أن القتلى يوم الحرة من قريش والأنصار والمهاجرين بلغوا سبعمائة رجلٍ من حملة القرآن وكبار الصحابة وأبنائهم (منهم عبد الله بن حنظلة، ومعقل بن سنان، وعبد الله بن زيد بن عاصم، ومعاذ القارئ)، ونحو أربعة آلاف من الناس! حتى قال الحسن البصري: «والله ما كاد ينجو منهم أحد!».

٤. المسير إلى مكة المكرمة وحصار الكعبة المشرفة (64هـ) وموت يزيد

ولم يكتفِ جيشُ مسلم بن عقبة بدمير المدينة، بل سار فورًا نحو مكة المكرمة لقتال الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فمات مسلم بن عقبة في الطريق بـ«المشلل»، فتولى القيادة الحصين بن نمير السكوني، فحاصر مكة المكرمة في المحرم سنة 64هـ ونصب المجانيق على جبل أبي قبيس ورمى الكعبة المشرفة بالحجارة والنار حتى احترق سقفها وأستارها وتصدّع الحجر الأسود؛ وفي أثناء ذلك الحصار الآثم قصم الله عمرَ يزيد بن معاوية في ربيع الأول سنة 64هـ وهو ابن ثمانٍ وثلاثين سنة، مصداقًا لوعيد النبي صلى الله عليه وسلم: «أذابه الله كما يذوب الملح في الماء»!

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى