يوم الطف (عاشوراء 61هـ): توثيق الساعات الأخيرة للسبط الشهيد الحسين بن علي وأهل بيته من مصادر أهل السنة
في اليوم العاشر من شهر المحرم سنة إحدى وستين للهجرة (يوم عاشوراء)، شهدت أرضُ «الطفّ» بكربلاء إحدى أعظم الفواجع في تاريخ الإسلام: استشهاد ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ومعه سبعة عشر شابًّا من آل بيت النبوة ونيّفٌ وسبعون من خيار أصحابه على أيدي جيش الطاغية عبيد الله بن زياد. وإذا كان الروافض قد شابوا هذه الملحمة بمئات الأكاذيب الدرامية، فإن أئمة أهل السنة (كالطبري، وابن تيمية، والذهبي، وابن كثير) قد وثّقوا ساعاتها الأخيرة بالأسانيد الصادقة التي تدمغ النواصب الجدد بالخزي والبهتان.
١. حصار الفرات ورفض عبيد الله بن زياد لعروض الحسين السلمية الثلاثة
حين بلغ الحسينَ رضي الله عنه في «زبالة» نبأُ مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل وخذلان أهل الكوفة، قال لمن تبعه من الأعراب: «قد خذلتنا شيعتُنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام»، فتفرّق الناس عنه ولم يبقَ معه إلا أهل بيته وخاصته (نحو اثنين وسبعين رجلًا). وحين اعترضته خيل الحر بن يزيد التميمي وساقته إلى كربلاء، ثم قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف مقاتلٍ بأمر عبيد الله بن زياد وحالوا بين الحسين وأهله وأطفاله وبين ماء الفرات، عرض الحسين رضي الله عنه على عمر بن سعد ثلاث خصالٍ تبرأ بها ذمته وتُحقن بها الدماء:
- إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء إلى مكة والمدينة.
- وإما أن يدعوه يلحق بثغرٍ من ثغور المسلمين فيجاهد الكفار ويكون كرجلٍ من المسلمين.
- وإما أن يدعوه يسير بنفسه إلى يزيد بن معاوية بدمشق فيضع يده في يده.
فكتب عمر بن سعد بذلك إلى عبيد الله بن زياد فكاد يقبل، فقام الشقيّ شمر بن ذي الجوشن الضبابي فقال: «لا والله حتى ينزل على حكمك هو وأصحابه!»، فبعث ابن زياد شمرًا بكتابٍ صارمٍ إلى عمر بن سعد: «أن اعرضْ على الحسين أن ينزل على حكمي، فإن أبى فاجعلْ خيلك تطؤه فإنه عاصٍ شاقٌّ!»؛ فلما عُرض ذلك على الحسين قال: «لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد!».
٢. ليلة عاشوراء وصبيحتها: خطبة الحسين بن علي وثبات أصحابه وأهل بيته
بات الحسين وأصحابه ليلة عاشوراء يصلّون ويستغفرون ويدعون الله ولهم دويٌّ كدويّ النحل، وأذن الحسينُ لأصحابه وأهل بيته في الانصراف ليلًا قائلًا: «إن القوم إنما يطلبونني أنا»، فأبَوا وبكَوا وقالوا: «والله لا نفارقك أبدًا حتى نرد موردك!».
وفي صبيحة يوم الجمعة (عاشوراء 61هـ)، ركب الحسينُ ناقته وخطب جيش الكوفة مذكرًا إياهم بنسبه ومكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبهم التي بعثوها إليه، وتحوّل الحرّ بن يزيد التميمي تائبًا إلى صفّ الحسين فقُتل بين يديه شهيدًا!
٣. استشهاد سبعة عشر شابًّا من بني هاشم ومصرع ريحانة رسول الله ﷺ
تقدّم أصحاب الحسين فقاتلوا دونه قتال الأبطال حتى استُشهدوا عن آخرهم، ثم برز فتيانُ بني هاشم واحدًا بعد واحد: فاستُشهد ابنه الأكبر علي بن الحسين، وإخوته لأبيه: العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، ومحمد، وأبو بكر بنو علي بن أبي طالب، وأبناء أخيه الحسن (القاسم وأبو بكر وعبد الله)، وأبناء عقيل وجعفر، وذُبح رضيعه عبد الله في حجره بسهم! وبقي الحسينُ وحده يذود عن خيام النساء والأطفال وهو مثخنٌ بالجراح والعطش، حتى طعنه سنان بن أنس النخعي وحزّ رأسه الشريف (أو شمر بن ذي الجوشن)، وجيء برأسه إلى عبيد الله بن زياد فجعل ينكت بقضيبه ثناياه، فصاح به الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه (وفي رواية زيد بن أرقم) باكيًا في البخاري (3748): «ارفع قضيبك! فوالله لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّل موضع قضيبك هذا!».
٤. إكرام الله للحسين بالشهادة وعقوبة الله العاجلة والآجلة لقاتليه
قال الإمام الزهري وابن تيمية وابن كثير: لم ينجُ أحدٌ ممن باشر قتل الحسين رضي الله عنه أو أعان عليه في الدنيا إلا عُوقب بالقتل الذريع أو الجنون أو العمى وسواد الوجه، حيث سلّط الله عليهم المختار الثقفي وإبراهيم بن الأشتر فقتلوا عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس وحرقوهم بالنار قبل عذاب الآخرة!
