تحقيق الروايات في استشهاد الحسن بن علي رضي الله عنهما بالسمّ وبراءة معاوية رضي الله عنه من دمه
توفّي سيّد شباب أهل الجنة والسبط الأكبر الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بالمدينة النبوية في شهر ربيع الأول سنة 49هـ (وقيل 50هـ) وله سبعٌ وأربعون سنة، ودُفن في بقيع الغرقد إلى جوار أمه الصديقة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. وقد كثرت الروايات التاريخية في سبب وفاته بالسمّ ومَن دسّه إليه؛ فاستغلّها الروافض لاتهام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، بينما جنح بعض النواصب إلى إنكار أصل شهادته بالسمّ! فما هو التحقيق الحديثي والتاريخي عند أئمة السنة؟
١. ثبوت استشهاد السبط الحسن بن علي رضي الله عنهما مسمومًا ورفضُه تسمية المتهم
ثبت بأسانيد صحيحةٍ عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (6/ 388)، وابن سعد في «الطبقات» (6/ 394)، والحاكم في «المستدرك» (3/ 176)، وابن عساكر، وصححه ابن كثير والذهبي، من طريق عمير بن إسحاق وأم موسى سرية عليٍّ ورقبة بن مصقلة أن الحسن بن علي رضي الله عنهما سُقي سمًّا حتى كان يضع الطست تحته فيلقي قطعًا من كبده، فدخل عليه أخوه الحسين بن علي رضي الله عنهما عند احتضاره وبكى وقال له: «يا أخي، مَن سقاك؟ أخبرني مَن سقاك السمّ؟».
فماذا أجاب الإمامُ الحليمُ الحسن بن علي رضي الله عنهما وهو يعالج سكرات الموت؟ قال لأخيه الحسين كلمةً تُكتب بماء الذهب في الورع النبوي: «لمَ يا أخي؟ تريد أن تقتله؟ إن يكن الذي أظنّ فالله أشدُّ نقمةً وبأسًا، وإن لم يكن هو فوالله لا يُقتل بي بريءٌ أبدًا!»؛ فرفض رضي الله عنه أن يسمّي أحدًا بالظنّ خشية أن يُسفك بسببه دمٌ معصومٌ بغير بينةٍ قاطعة!
٢. دراسة نقدية لروايات اتهام جعدة بنت الأشعث ومعاوية في ميزان الإسناد
وأما الروايات التي سُمّيت فيها زوجته «جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي» وزُعم فيها أن معاوية أو يزيد دسّ إليها السمّ ووعدها بمئة ألف درهم وتزويجها من يزيد؛ فجميعُ أسانيدها في كتب الأخبار منقطعةٌ أو دائرةٌ على رواةٍ متهمين وهلكى:
- الرواية الأولى مدارها على محمد بن السائب الكلبي وأبي مخنف، وهما كذابان رافضيان باتفاق أئمة الجرح والتعديل!
- الرواية الثانية عن قتادة والمغيرة بن شعبة الضبي وأبي بكر بن حفص؛ وكلهم لم يدركوا الواقعة ولم يسموا مَن حدثهم بها، فإسنادها مرسلٌ معضلٌ لا تقوم بمثله حجةٌ في أدنى المعاملات المالية فضلًا عن اتهام صحابيٍّ بالقتل العمد!
٣. الأدلة التاريخية والعقلية عند ابن تيمية وابن كثير والذهبي على براءة معاوية
فصل شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» (4/ 469)، والقاضي ابن العربي في «العواصم من القواصم» (ص 214)، والحافظ الذهبي في «تاريخ الإسلام» (4/ 40)، والحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (8/ 44)، وابن خلدون في «مقدمته» أدلةَ بطلان اتهام معاوية رضي الله عنه، ومن أبرزها:
- أن الحسن بن علي رضي الله عنهما كان قد اعتزل السياسة تمامًا منذ عام الجماعة (41هـ) إلى وفاته (49هـ) مقيمًا بالمدينة النبوية، صادق الوفاء بعهده، يكرمه معاوية أبلغ الإكرام ويبعث إليه كل عامٍ بمئة ألف دينار؛ فلم يكن لمعاوية أدنى مصلحةٍ ولا خوفٍ منه بعد أن سلّم له الأمر طوعًا قبل تسع سنين!
- أنه لو كان لمعاوية غرضٌ في إزاحة من ينازعه، لكان الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر أشدّ امتناعًا ومعارضةً من الحسن الزاهد المسالم، ومع ذلك لم يمسّهم معاوية بسوء!
- أن الحسن نفسه امتنع عن الجزم بالفاعل وقال: «فوالله لا يُقتل بي بريء»، فكيف يجزم متأخرٌ بلا إسنادٍ ولا شهادةٍ بما تورّع عنه الحسن نفسه؟!
٤. بين كذب الروافض في اتهام الصحابة وجفاء النواصب في إنكار شهادته
وبهذا التحقيق العلمي تستقرّ عقيدة أهل السنة: فنحن نشهد للحسن بن علي رضي الله عنهما بأنه مات شهيدًا مسمومًا أكرمه الله بدرجة الشهادة مع سيادته وفضله، ونكلُ أمر قاتله الخفيّ إلى انتقام الله العدل، ونبرّئ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الظنون الكاذبة والأسانيد الواهية.
