حديث الثقلين في صحيح مسلم: الوصية النبوية بكتاب الله وأهل بيته ونقض جفاء النواصب
من أجمع النصوص النبوية التي تؤسس لعقيدة أهل السنة والجماعة في تعظيم الوحي وتوقير قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث الثقلين» الثابت في صحيح الإمام مسلم؛ فهو الحديث الذي خطب به النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مودّعًا أمته، فجعل التمسك بكتاب الله عز وجل هو العاصم من الضلال، وقرنه بالوصية المؤكدة ثلاث مراتٍ في أهل بيته: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»! وفي هذه الدراسة نحرّر ألفاظ الحديث وفقهه وموقف السلف منه.
١. نصّ حديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم ومكانته في أصول الاعتقاد
روى الإمام مسلم في صحيحه (2408) بإسناده الصحيح عن حصين بن سبرة أن زيد بن أرقم رضي الله عنه حدثهم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى «خُمًّا» بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثم قال:
«أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ — فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ — ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي!».
وقد تلقّى أئمةُ أهل السنة والجماعة هذا الحديث بالقبول والتعظيم، وأورده شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» (مجموع الفتاوى: 3/ 154) أصلًا من أصول اعتقاد الفرقة الناجية في وجوب محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولّيهم وحفظ وصية النبي صلى الله عليه وسلم فيهم.
٢. تحرير ألفاظ الحديث والفرق بين رواية صحيح مسلم والروايات الأخرى
تفرّد النصّ المحفوظ في «صحيح مسلم» بغاية الدقة والبيان الشرعي؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم سمّى القرآن الكريم وأهل البيت «ثقلين» (لأن الثَّقَل عند العرب هو كل نفيسٍ خطيرٍ يُعتنى بحفظه وصيانته)، ثم فرّق تفريقًا دقيقًا بين الواجب في كلٍّ منهما:
- أما الثقل الأول (كتاب الله عز وجل): فأمر بالاستمساك به والأخذ به؛ لأنه مصدرُ التشريع والهدى والنور المعصوم الذي يدور معه الحق وجودًا وعدمًا ومثله السنة النبوية المبيّنة له.
- وأما الثقل الثاني (أهل بيته صلى الله عليه وسلم): فأوصى بهم وصية رعايةٍ ومودةٍ وإكرامٍ وحفظٍ لحقهم وتركٍ لظلمهم وإيذائهم بقوله ثلاثًا: «أذكركم الله في أهل بيتي»!
- وأما الرواية التي جاءت عند الترمذي (3786) وأحمد من طريق زيد بن الحسن الأنماطي وعلي بن زيد بن جدعان بلفظ: «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي...»، فقد بين أئمة العلل — كأحمد بن حنبل وابن تيمية وابن حجر في «المطالب العالية» — ضعفَ إسناد تلك اللفظة بتفرّد الأنماطي (وهو منكر الحديث) أو عطية العوفي، وأن المحفوظ الصحيح هو لفظُ صحيح مسلم!
٣. مَن هم أهل البيت في تفسير الصحابي الجليل زيد بن أرقم رضي الله عنه؟
وفي تمام الحديث نفسه في صحيح مسلم، سأل حصين بن سبرة الصحابيَّ زيد بن أرقم: «ومَن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟»، فقال زيد رضي الله عنه: «نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته مَن حُرِم الصدقة بعده: آل عليٍّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس»!
فأثبت الصحابي الراوي للحديث أن أمهات المؤمنين داخلاتٌ في أهل بيته، وأن المراد بالوصية الخاصة هنا معهنّ قرابتُه وعصبتُه من بني هاشم الذين حرّم الله عليهم الصدقة تكريمًا لهم وعوّضهم عنها بالمودة والنصرة وحقّهم في الخمس والفيء.
٤. كيف خالف النواصبُ الجددُ وصيةَ رسول الله ﷺ الثلاثية في غدير خم؟
كان الصديقُ أبو بكرٍ رضي الله عنه أبرَّ الأمة بهذه الوصية حين قال في صحيح البخاري (3712، 3713): «ارقبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته» وقال: «والذي نفسي بيده، لقرابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليّ أن أصل من قرابتي»! أما النواصبُ قديمًا وحديثًا، فقد نقضوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثية؛ فآذوا عليًّا والحسين وفاطمة وابن عباس، وسمّوا ذكر فضائلهم «تشيعًا»، فباؤوا بخصومة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة!
