قراءة نقدية في تاريخ «النابتة» وغلاة اليزيدية الأوائل وموقف أئمة أهل السنة منهم
في منتصف القرن الثالث الهجري برز في المصنفات التراثية مصطلح «النابتة»؛ وهو لقبٌ أُطلق على طائفةٍ نشأت بعد انقضاء عصر السلف الأولين، فغلت في تعظيم ملوك بني أمية — ولا سيما يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف الثقفي — وجعلت تبرئتهم من دماء آل البيت والصحابة والطعن المبطّن في أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه أصلًا من أصول الديانة. وقد اكتسب هذا المصطلح شهرةً واسعةً بفضل «رسالة في النابتة» للأديب المعتزلي عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255هـ)، كما تناوله أئمة أهل السنة والحديث بميزانهم الشرعي الدقيق.
١. مَن هم «النابتة»؟ قراءة في وثيقة الجاحظ وسياقها التاريخي
سُمّيت هذه الفرقة بـ«النابتة» لأن مقالتها نبتت نباتًا غريبًا حادثًا بعد إجماع الصحابة والتابعين على ذمّ ظلم الظلمة وتوقير آل بيت النبوة؛ فقد رصد الجاحظ في رسالته كيف انتقل قطاعٌ من الغوغاء والمتعصبين في بغداد والشام من القول الصحيح (وهو الكفّ عما شجر بين الصحابة مع إثبات خلافة الأربعة وتخطئة الفئة الباغية) إلى القول بأنّ من لم يتولّ يزيد بن معاوية ويدافع عن أفعاله فهو مبتدعٌ خارجٌ عن الجماعة!
وقد وثّقت الرسالة كيف كانت النابتة تقلب الحقائق التاريخية المتواترة: فتبرّئ يزيد وعبيد الله بن زياد من دم السبط الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما، وتعتذر عن استباحة المدينة النبوية يوم الحرة وعن رمي الكعبة المشرفة بالمنجنيق، وتزعم أن الحسين وعبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير كانوا خوارجَ شقّوا عصا الطاعة!
٢. الأصول الفاسدة لمقالة النابتة وغلاة اليزيدية
حين نفكّك البنية العقدية للنابتة الأوائل وغلاة اليزيدية الذين تفرّعوا عنهم، نجدها تقوم على ثلاثة أصولٍ فاسدةٍ هدمها أئمة السنة:
- الأصل الأول (الخلط بين مقام الصحبة ومقام الملك العضوض): حيث سوّت النابتة بين الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه (الذي له شرف الصحبة وكتابة الوحي) وبين ابنه يزيد بن معاوية وحجاجه الثقفي اللذين لم تَثبت لهما صحبةٌ ولا عدالة، بل تلطّخا بدماء آل البيت وبقية الصحابة!
- الأصل الثاني (إهدار شروط الإمامة والعدل): حيث جعلت النابتةُ الغلبةَ بالسيف والبطش مسقطًا للإثم الشرعي، فسمّت كل مستنكرٍ لظلم الحجاج وابن زياد «خارجيًّا باغيًا»، حتى طالت ألسنتهم الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير والحسن البصري وسعيد بن جبير!
- الأصل الثالث (المضادة البدعية): إذ ظنّوا أن الردّ على الروافض والمعتزلة لا يتمّ إلا بمدح أعداء آل البيت وانتقاص أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه!
٣. الفرق الجوهري بين نقد أهل السنة للنابتة وبين توظيف المعتزلة
لا بدّ للباحث المنصف من التنبه إلى أن الجاحظ — لكونه معتزليًّا عباسيَّ الهوى — قد خلط في رسالته بين نقدٍ صحيحٍ لغلوّ النابتة في يزيد والحجاج، وبين تحاملٍ اعتزاليٍّ باطلٍ على معاوية رضي الله عنه وعلى عموم أهل الحديث الذين اتهمهم ظلمًا بموافقة النابتة! والحقيقة التاريخية الثابتة في كتب مسائل الإمام أحمد بن حنبل وطبقات الحنابلة أن أئمة أهل الحديث كانوا هم السدّ المنيع الذي كسر شوكة النابتة؛ فقد سأل صالح بن أحمد وعبد الله بن أحمد ومهنا الشامي الإمامَ أحمد بن حنبل عن يزيد بن معاوية، فقال الإمام أحمد قولته الفاصلة: «وهل يُحبّ يزيدَ أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر؟! ولمَ لا يُلعن مَن لعنه الله في كتابه في قوله: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟!» (كما نقل ذلك القاضي أبو يعلى وابن الجوزي وابن تيمية في مجموع الفتاوى 4/ 483 مع تحرير الروايتين عنه في اللعن المعيّن واتفاق الروايتين على المنع من محبته).
٤. النواصب المعاصرون بوصفهم امتدادًا حرفيًّا لمقالات النابتة المهجورة
إن من يقرأ اليوم مقالات وسام العظمة وطه الدليمي ومقاطع صابر مشهور ويوسف علاونة يُدهش حين يرى تطابقًا حرفيًّا بين ما ينطقون به وبين ما حُكي عن «النابتة» قبل أحد عشر قرنًا: من تجريم خروج الحسين رضي الله عنه، وتقديس الحجاج بن يوسف ويزيد، والطعن في خلافة عليٍّ رضي الله عنه، واتهام أئمة السنة بـ«التشيع العاطفي»؛ فثبت أن النصب المعاصر ليس تجديدًا ولا تحقيقًا، بل هو إحياءٌ لرميم النابتة التي دفنها أئمة السلف.
