حريز بن عثمان الرحبي والجوزجاني: دراسة حديثية في تعامل البخاري وأئمة الجرح مع الرواة الموصوفين بالنصب

كثيرًا ما يُثار في مجالس الجدل الحديثي سؤالٌ مزدوجٌ يوظّفه خصوم السنة من طرفين متناقضين: فالرافضةُ يطعنون في صحيح البخاري وسنن الأربعة لأن فيها رواياتٍ لرجالٍ وُصفوا بالنصب والانحراف عن أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه مثل «حريز بن عثمان الرحبي» و«إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني»، والنواصبُ الجددُ يستدلون بتوثيق الأئمة لهذين الرجلين على أن النصب مذهبٌ مقبولٌ عند السلف! وكلا الفريقين يجهل القواعد الدقيقة التي أقام عليها أئمة الجرح والتعديل ميزان الرواية.

١. القاعدة الحديثية الفاصلة بين عدالة الضبط وبين بدعة الراوي

أجمع جمهور أئمة الحديث — كعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي — على أن الراوي إذا كان متصفًا ببدعةٍ غير مكفّرةٍ (سواء أكان فيها شائبة تشيعٍ أم نصبٍ أم قدرٍ أم إرجاء)، وكان مع ذلك صادق اللهجة، متدينًا متورعًا عن الكذب في الحديث النبوي، متقنًا ضابطًا لما يرويه، غيرَ راوٍ لما يعضد بدعته المنكرة؛ فإن حديثه المسند المتصل يُقبل احتجاجًا في الأحكام والسنن حفظًا لشريعة الإسلام، مع البراءة التامة من بدعته والتحذير منها في كتب التراجم.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «هدي الساري مقدمة فتح الباري» (ص 459): «البدعة إما أن تكون بمكفّرٍ أو بمفسّق؛ فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني يُقبل مَن لم يكن داعيًا إلى بدعته في الأصحّ، إلا إن روى ما يقوّي بدعته فيُردّ».

٢. حريز بن عثمان الرحبي الحمصي: تحرير حاله في الصحيحين وكتب العلل

حريز بن عثمان الرحبي المشرقي الحمصي (ت 163هـ) كان من أثبت أهل الشام حفظًا وإتقانًا لحديث الحمصيين، قال فيه أحمد بن حنبل: «حريزٌ ثقةٌ ثقة، لم يكن بالشام أثبت منه إلا أنه كان يحمل على عليٍّ»، وقال معاذ بن معاذ وابن معين وأبو حاتم بتوثيقه وإتقانه؛ ولكنه ابتُلي بلوثة النصب الشامي الموروثة، ونُقل عنه أنه كان ينال من عليٍّ رضي الله عنه، وإن صحّ عن الفضل بن دكين أنه تبرأ من السبّ حين سأله عنه.

فكيف تعامل الإمام البخاري رحمه الله مع حريز بن عثمان؟ لم يروِ له البخاري في صحيحه في شأن عليٍّ ولا الفتن حرفًا واحدًا قط! وإنما أخرج له حديثين اثنين فقط في المناقب والتفسير لا صلة لهما ببدعته (منهما حديث عبد الله بن بسر في صفة النبي صلى الله عليه وسلم)، وتابعه عليهما غيره من الثقات! وفي المقابل دمغ أئمة الجرح — كأحمد وابن معين والعجلي والذهبي وابن حجر — نصبه وانحرافه، وعدّوه عيبًا قادحًا في ديانته لولا صدقُه في ضبط الأسانيد.

٣. إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي: إمامٌ في الجرح مجروحٌ في عليٍّ!

ومثل ذلك يقال في أبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت 259هـ) نزيل دمشق وصاحب كتاب «أحوال الرجال»؛ فقد كان حافظًا ناقدًا صدوقًا في الرواية روى عنه أبو داود والترمذي والنسائي، ولكنه كان شديد الانحراف عن عليٍّ رضي الله عنه (حريزيَّ المذهب). ولذلك وضع الحفاظُ — كالدارقطني وابن عدي والذهبي في «الميزان» وابن حجر في «لسان الميزان» — قاعدةً صارمةً في التعامل مع كتاب الجوزجاني: وهي أنه لا يُقبل جرحُ الجوزجاني فيمن يذمّهم من محدثي الكوفة بالتشيع إذا خالف سائر أئمة النقد؛ لأن عداوته الناصبية لأهل الكوفة حملته على التحامل على ثقاتهم كالأعمش وعبيد الله بن موسى وعبد الرزاق!

٤. بطلان احتجاج النواصب الجدد والمشككين برواية الصحيحين

تبيّن بهذا التحقيق أن قبول البخاري وأصحاب السنن لرواياتٍ محدودةٍ عن حريز بن عثمان أو الجوزجاني في أبواب الفقه والرقاق هو عينُ قبولهم لروايات عبد الرزاق الصنعاني وعدي بن ثابت وأبان بن تغلب ممن وُصفوا بالتشيع؛ فالجامع بين الحالتين هو أمانة الضبط والصدق في أداء الحديث النبوي، مع اتفاق أئمة أهل السنة قاطبةً على ذمّ بدعة النصب وهجر دعاتها وتجريح منتحليها.

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى