تحرير مصطلح «التشيع» عند المحدثين المتقدمين والفرق المنهجي الفاصل بينه وبين «الرفض»
أعظمُ المغالطات التي يتكئ عليها صابر مشهور وطه الدليمي لتشكيك العوام في صحيحي البخاري ومسلم هي قولهم: «انظروا إلى كتب التراجم؛ لقد قالوا في عبد الرزاق الصنعاني، أو الأعمش، أو عدي بن ثابت، أو الحاكم، أو ابن جرير: (فيه تشيع)! فكيف تقبلون أحاديث الشيعة في البخاري ومسلم؟!». وهذه المغالطة تنشأ من الجهل بتغير دلالة المصطلحات بين عصر السلف المتقدمين وعصر المتأخرين!
١. نصّ الحافظ الذهبي الفاصل في «ميزان الاعتدال»
وضع الحافظ شمس الدين الذهبي رحمه الله في مقدمة «ميزان الاعتدال» (1/ 5 - 6) وفي ترجمة أبان بن تغلب قاعدةً منهجيةً حاسمةً يجب على كل طالب علمٍ حفظها، حيث قال:
«البدعة على ضربين: فبدعةٌ صغرى كغلوّ التشيع، أو كالتشيع بلا غلوّ ولا تحرّف، فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق؛ فلو رُدّ حديثُ هؤلاء لذهب جملةٌ من الآثار النبوية، وهذه مفسدةٌ بيّنة! ثم بدعةٌ كبرى، كالرفض الكامل والغلوّ فيه، والحطّ على أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يُحتجّ بهم ولا كرامة... فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو مَن تكلّم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفةٍ ممن حارب عليًّا، والمتشيع في عرفهم هو مَن يفضّل عليًّا على عثمان مع محبته وتوليه لأبي بكرٍ وعمرَ وتقديمهما! وأما الغالي في زماننا وعرفنا فهو الذي يكفّر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضالٌّ مفترٍ!».
٢. كلام الحافظ ابن حجر في «هدي الساري مقدمة فتح الباري»
وقرّر الحافظ ابن حجر العسقلاني في «هدي الساري» (ص 459) القاعدة نفسها قائلًا: «التشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل عليٍّ على عثمان، وأن عليًّا كان مصيبًا في حروبه وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما... وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض، فلا تُقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة»!
٣. النتيجة العلمية الحاسمة
تبين بهذا التحرير أن من وُصف بـ«التشيع اليسير» من ثقات الرواة في الصحيحين (كعبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف، أو الأعمش) كانوا من أئمة السنة المعظّمين لأبي بكرٍ الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما والروّاة لفضائلهما، ولم يكونوا من الرافضة الاثني عشرية القائلين بالعصمة والرجعة وسبّ الصحابة! فبطل تلبيس صابر مشهور وطه الدليمي من أساسه.
