إمام التابعين الشهيد سعيد بن جبير في مواجهة طغيان الحجاج: تحقيق تاريخي وعقدي
حين بلغ الغلوّ الأمويّ بالصحفي صابر مشهور ويوسف علاونة حدَّ الترحّم على الحجاج بن يوسف الثقفي وتصويره في صورة «رجل الدولة الحازم الذي قمع المتمردين»، كان أعظمُ ما يفضح زيف هذه السردية هو مقتلُ إمام التابعين وعالم الأرض في زمانه أبي عبد الله سعيد بن جبير الوالبي الأسدي الكوفي رحمه الله (45 – 95هـ) صبرًا بين يدي الحجاج! فمَن هو سعيد بن جبير، ولماذا أجمع السلف على أن قتله كان أعظمَ جرائم الحجاج المبير؟
١. مكانة الإمام سعيد بن جبير رحمه الله في التفسير والحديث والفقه والعبادة
سعيد بن جبير رحمه الله هو أخصّ تلاميذ حبر الأمة عبد الله بن عباس وفقيه الصحابة عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وأحد أوعية العلم الذين أطبقت الكتب الستة (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) على الاحتجاج بحديثه:
- قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله: «خُذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك»، وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه يقول لهم: «أليس فيكم ابنُ أمّ دهماء (يعني سعيد بن جبير)؟!».
- وقال ميمون بن مهران رحمه الله: «لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض رجلٌ إلا وهو محتاجٌ إلى علمه!»، وجمع بين التفسير والحديث والفقه.
- ومع هذه الإمامة العلمية، كان يختم القرآن في كل ليلتين، ويبكي من خشية الله حتى عمشت عيناه!
٢. أسباب خروج سعيد بن جبير والقراء في فتنة ابن الأشعث لمواجهة ظلم الحجاج
لما تفاقم جور الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق، وأمات الصلاة عن مواقيتها الشرعية (كما ثبت في الصحيحين من شكوى الصحابة والتابعين من تأخيره الصلاة)، وأسرف في سفك الدماء المعصومة وإذلال بقية الصحابة والعلماء، خرج عليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي سنة 81هـ ومعه الجمّ الغفير من قراء العراق وفقهاء التابعين وصلحائهم: كسعيد بن جبير، والشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي البختري الطائي، ومورق العجلي، وطلحة بن مصرف.
ولم يكن خروجُ سعيد بن جبير وأقرانه خروجَ خوارج يكفّرون بالذنوب، بل كانوا أشدّ الناس بغضًا للخوارج، وإنما خرجوا — كما حرر شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» (4/ 529) والحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» — باجتهادٍ منكرين لكفر الحجاج أو ظلمه الفاحش وإماتته للصلاة؛ فلما انكسر جيش ابن الأشعث بـ«دير الجماجم» سنة 83هـ، استقرّ إجماعُ أهل السنة بعد ذلك على ترك الخروج بالسيف لما يترتب عليه من مفاسد أعظم، مع بقاء إنكار المنكر باللسان والبيان.
٣. المحاورة الخالدة بين سعيد بن جبير والحجاج بن يوسف قبل استشهاده (95هـ)
توارى الإمام سعيد بن جبير اثنتي عشرة سنةً بمكة المكرمة ينشر العلم والحديث، حتى قبض عليه والي مكة خالد بن عبد الله القسري سنة 95هـ وبعث به مقيدًا إلى الحجاج بـ«واسط»؛ فسجّل الحفاظ — كابن أبي شيبة، وأبي نعيم في «الحلية» (4/ 279)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (4/ 321)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (9/ 109) — تلك المحاورة الإيمانية الباهرة:
قال له الحجاج: «ما اسمك؟» قال: «سعيد بن جبير»، قال الحجاج: «بل أنت شقي بن كسير!»، فقال سعيد: «أمي كانت أعلم باسمي منك!»، قال الحجاج: «شقيتَ وشقيت أمك!»، قال سعيد: «الغيبُ يعلمه غيرك!»، قال الحجاج: «لأبدّلنّك بدنياك نارًا تلظى!»، قال سعيد: «لو علمتُ أن ذلك بيدك ما اتخذتُ إلهًا غيرك!»، فلما سأله عن الخلفاء وعن نفسه قال سعيد: «لستُ براضٍ عنك»، ثم استقبل القبلة تاليًا: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾، ودعا الله قائلًا: «اللهم لا تسلّطه على أحدٍ يقتله بعدي!».
٤. دعوة سعيد بن جبير المستجابة وهلاك الحجاج وإجماع السلف على ذم قاتله
ضرب الحجاجُ عنقَ سعيد بن جبير في شعبان سنة 95هـ، فاستجاب الله دعوة وليّه الشهيد في الحال: فلم يسلّط اللهُ الحجاجَ على قتل أحدٍ بعده أبدًا، بل أُصيب بالآكلة في جوفه والزمهرير والهلع، فكان يصيح في سكرات موته: «مالي ولسعيد بن جبير! مالي ولسعيد بن جبير!» حتى هلك في رمضان سنة 95هـ بعد مقتل سعيد بنحو عشرين ليلة!
