الطريق إلى كربلاء: من امتناع الحسين عن بيعة يزيد إلى مكاتبات أهل الكوفة وشهادة مسلم بن عقيل

27 سبتمبر 2026

لا يمكن فهم فاجعة كربلاء (يوم عاشوراء 61هـ) فهمًا علميًّا سديدًا دون قراءة المقدمات التاريخية الدقيقة التي جرت بين شهر رجب سنة 60هـ وشهر المحرم سنة 61هـ؛ وهي المقدمات التي حرّفها النواصب المعاصرون (أمثال وسام العظمة وصابر مشهور وعمر خليفة راشد) ليصوّروا خروج السبط الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما على أنه «تمردٌ سياسيٌّ لتحقيق مطامع شخصية»، بينما تثبت المصادر المسندة عند أهل السنة أنه كان موقفًا شرعيًّا وإصلاحيًّا أحاطت به مكاتبات أهل العراق وإشفاق كبار الصحابة.

١. الأسباب الشرعية لامتناع الحسين بن علي رضي الله عنهما عن بيعة يزيد

حين عزم معاوية رضي الله عنه في أواخر حياته (سنة 56هـ) على أخذ العهد لابنه يزيد، أنكر ذلك كبارُ الصحابة وأبناؤهم في المدينة المنورة — وعلى رأسهم الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم — لأنهم رأوا في ذلك تحويلًا للأمر من الشورى النبوية والراشدة إلى وراثة الملك، ولعلمهم بأن في الأمة مَن هو أفضل من يزيد في العلم والدين والسابقة والورع بأضعافٍ مضاعفة.

فلما مات معاوية في رجب سنة 60هـ، كتب يزيد إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان يأمره بأخذ البيعة من الحسين وابن الزبير وابن عمر أخذًا شديدًا ليس فيه رخصة؛ فامتنع الحسين وابن الزبير وخرجا ليلًا إلى مكة المكرمة عائذين بحرم الله الأمين.

٢. طوفان الكتب والرسائل الكوفية وبعثة الشهيد مسلم بن عقيل

ما إن استقرّ الحسين رضي الله عنه بمكة في شعبان ورمضان سنة 60هـ، حتى انهالت عليه الوفود والرسائل من الكوفة؛ فوصلت إليه — كما وثّق خليفة بن خياط والطبري وابن كثير في «البداية والنهاية» (8/ 151) — أكثرُ من خمسمائة صحيفةٍ ورسالةٍ من رؤساء قبائل الكوفة وأشرافها (كشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، وسليمان بن صرد) يقولون فيها: «إنا قد حبسنا أنفسنا على بيعتك، وليس علينا إمام، فأقدم علينا لعل الله يجمعنا بك على الحق، وقد اخضرّت الجناب وأينعت الثمار»!

ولم يتعجّل الحسين رضي الله عنه، بل أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه ليستبرئ حال أهل الكوفة ويكتب إليه باليقين؛ فلما قدم مسلمٌ الكوفة، تهافت عليه أهلها فبايعه منهم اثنا عشر ألفًا (وقيل ثمانية عشر ألفًا)، فكتب مسلمٌ إلى الحسين: «إن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني أهل الكوفة فأقدمْ علينا»؛ فعندئذٍ فقط خرج الحسين من مكة في يوم التروية (الثامن من ذي الحجة سنة 60هـ) استجابةً لبيعة مصرٍ عظيمٍ من أمصار الإسلام!

٣. إشفاق كبار الصحابة بمكة على الحسين ونصحهم الصادق له بعدم المسير

وهنا يظهر الموقف العظيم لكبار الصحابة بالحجاز، والذي يهدم كذب الروافض والنواصب معًا: فقد جاء عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأخوه محمد بن الحنفية إلى الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين، يقبّلونه ويبكون وينصحونه بألا يخرج إلى العراق؛ لا قدحًا في أهليته وإمامته — فهم جميعًا يقرّون بأنه سيد شباب أهل الجنة وأفضل أهل الأرض يومئذٍ — بل لعلمهم اليقينيّ بتقلّب أهل الكوفة وخذلانهم لأبيه عليٍّ وأخيه الحسن من قبل، وخوفًا عليه من غدر بني أمية وبطش ولاتهم!

حتى قال له ابن عمر باكيًا: «أستودعك الله من قتيل!»، وقال له ابن عباس: «يا ابن عم، إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنّهم وأقم بهذا البلد»، فقال الحسين: «والله إني لأعلم أنك ناصح مشفق».

٤. بطش عبيد الله بن زياد بالكوفة واستشهاد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة

في تلك الأثناء عزل يزيدُ النعمانَ بن بشير الأنصاري عن الكوفة وولّى عليها الطاغية السفاك عبيد الله بن زياد وضمّها إلى البصرة؛ فدخل ابن زياد الكوفة ملثمًا، وأرهب الناس بالوعيد والقتل، فتفرّق الذين بايعوا مسلم بن عقيل عنه في يومٍ واحدٍ حتى أمسى وحيدًا في أزقة الكوفة لا يجد مَن يدله على الطريق! وقبض ابن زياد على مسلم بن عقيل وعلى مضيفه الشيخ المذحجي هانئ بن عروة، فضرب عنقَ مسلم بن عقيل يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة 60هـ) فوق قصر الإمارة وألقى جثته إلى الناس، والحسين رضي الله عنه في أول طريقه لا يعلم بما حدث!

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى