التربيع بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في الخلافة: قصة استقرار الإجماع السني ونقض شذوذ النواصب
من المصطلحات العقدية الكبرى التي تتكرر في دواوين السنة وكتب الاعتقاد السلفية مصطلح «التربيع بعليٍّ رضي الله عنه في الخلافة»؛ والمراد به عقدُ القلب واللسان على أن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أربعةٌ على ترتيبهم في الخلافة والفضل: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. وقد خاض أئمة أهل السنة في القرن الثالث الهجري معركةً علميةً حاسمةً لتثبيت هذا الأصل واجتثاث شذوذ المتوقفين والنواصب.
١. معنى «التربيع بعليٍّ» في اصطلاح أئمة السلف وأهل الحديث
كانت الأمة بعد عصر الصحابة مجمعةً في عامة الأمصار على خلافة الأربعة الراشدين، غير أنه ظهر في بعض شيوخ البصرة والحجاز في أواخر القرن الثاني (بتأثير بعض العثمانية أو الورع الفاسد بسبب فتن الجمل وصفين) مَن كان يقول: «أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ونسكت» فلا يربّع بعليٍّ في الخلافة أو التفضيل؛ بينما ظهر في الشام وحمص من يطعن في خلافة عليٍّ رأسًا من النواصب الحريزية والنابتة.
فنهض أئمةُ الحديث قاطبةً — وعلى رأسهم سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم — فجعلوا «التربيع بعليٍّ في الخلافة» شعارًا فاصلًا بين السنيّ المتبع وبين المبتدع الضال!
٢. كيف حسم الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بدعة الوقف؟
سجّل أبو بكر الخلال في كتاب «السنة» (1/ 395 – 420) واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» وابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» مواقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله الصارمة في هذه المسألة؛ ومن عيون نصوصه:
- قال الإمام أحمد بن حنبل في رسالته المشهورة إلى مسدد بن مسرهد: «وتشهد أن الخلفاء الراشدين المهديين أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم».
- وسأله أبو الحارث ومهنا وعبدوس عمن لا يربّع بعليٍّ في الخلافة، فقال أحمد بن حنبل: «مَن لم يربّع بعليٍّ بن أبي طالب في الخلافة فهو أضلُّ من حمار أهله! لا يُكلَّم ولا يُناكح، هذا قولٌ خبيثٌ رديء»!
- وقال الإمام أحمد محتجًّا على المتوقفين: «أليس قد حكمنا لعليٍّ بحكم الأئمة: أجزنا قضاءه، وقسمه، وحدوده، وصلاته بالناس، وحجّه بالمسلمين، وتسميته أمير المؤمنين؟ فكيف نقبل ذلك كله ثم نقف في خلافته؟!».
٣. الأدلة الشرعية القاطعة التي قام عليها إجماع أهل السنة على التربيع
لم يكن تشديدُ الإمام أحمد وأئمة الحديث عن هوى، بل استند إلى براهين قطعيةٍ من السنة النبوية وإجماع الصحابة:
- حديث سفينة رضي الله عنه: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء»؛ ولا تتم الثلاثون سنة إلا بخلافة عليٍّ وابنه الحسن رضي الله عنهما، وقد احتجّ به الإمام أحمد مرارًا وقال: «فيه أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي».
- حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وعليٌّ رابعُهم بإجماع الأمة.
- تسمية الصحابة الكرام — ومنهم عائشة وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وسعد بن أبي وقاص — لعليٍّ بـ«أمير المؤمنين»، وصلاتهم خلفه، وتقاضيهم إليه.
٤. فضح محاولة النواصب المعاصرين إحياء مقالة التوقف البائدة
حين يخرج اليوم صابر مشهور أو شعيب العثماني أو وسام العظمة ليشكك في خلافة أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه أو يزعم أن «التربيع بعليٍّ بدعةٌ متأخرةٌ أُدخلت في العقيدة زمن العباسيين»، فإنه يصادم إجماعًا مستقرًّا حكاه أبو الحسن الأشعري في «الإبانة»، والطحاوي في «عقيدته»، وابن عبد البر في «الاستيعاب»، وابن قدامة في «لمعة الاعتقاد»، وابن تيمية في «الواسطية»؛ ويضع نفسه تحت حكم الإمام أحمد بن حنبل: «أضلّ من حمار أهله»!
